اختبار التشغيل في «ليب»: لماذا لم تعد أرقام الصفقات وحشود الحضور كافية لقياس نضج الذكاء الاصطناعي في المنطقة
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
مع انعقاد النسخة الخامسة من مؤتمر «ليب» في الرياض بنهاية شهر أغسطس، باتت معركة إثبات القدرة على جذب رؤوس الأموال وحشد الاهتمام الدولي محسومة تمامًا. فالأرقام القياسية التي سُجلت سابقًا، من تجاوز عدد الحضور حاجز 200 ألف مشارك، والإعلان عن استثمارات في الذكاء الاصطناعي بقيمة 14.9 مليار دولار في اليوم الافتتاحي للنسخة الماضية، وصولًا إلى تخطي القيمة التراكمية لاستثمارات البنية التحتية التقنية المعلنة في السعودية 42.4 مليار دولار منذ انطلاق المؤتمر في عام 2022، أغلقت باب النقاش حول شهية المنطقة للاستثمار والنمو.
لكن التحدي الحقيقي في عام 2026 لم يعد في حجم الإعلانات، بل في معيار التحويل والتشغيل الفعلي. تعاني الأرقام التراكمية المعلنة في أسواق التكنولوجيا الكبرى من عيب بنيوي معروف: إنها ترتفع دائمًا ولا تنخفض أبدًا، إذ لا يوجد سجل عام يستبعد المشروعات التي جرت إعادة هيكلتها بهدوء أو تجميدها بعد سنوات من إعلانها. ما تحتاجه مصداقية السوق الإقليمية اليوم هو تدقيق حسابي يوضح السعة الحاسوبية المشغلة فعليًا في مراكز البيانات مقابل ما أُعلن عنه، والوظائف التقنية التي شُغلت بالفعل مقارنة بالأهداف المعلنة.
الانتقال الحقيقي للذكاء الاصطناعي الوكالي يبدأ من كراسات الشروط والمشتريات الحكومية، لا من العروض التوضيحية على منصات المؤتمرات. في هذا المسار، اتخذت الإمارات خطوات متقدمة نحو حوكمة الأنظمة الوكالية، حيث يشارك «النظام الوطني للذكاء الاصطناعي» بصفة استشارية في مجلس الوزراء ومجلس التنمية الوزارية ومجالس إدارة الهيئات الاتحادية منذ يناير، فضلًا عن تأسيس «هيئة الذكاء الاصطناعي والبيانات» في يونيو لتطوير منظومة حكومية رقمية موحدة تعتمد على الوكلاء الأذكياء. تقديم المشورة للحكومات يتطلب أساسًا تسوية آليات تبادل البيانات الحساسة بين الوزارات، ولذلك فإن الاختبار الحقيقي لفعالية هذه التقنيات في فعاليات مثل «ديب فيست» المصاحبة للمؤتمر يكمن في ظهور شروط ملزمة داخل مناقصات المشتريات تحدد مستويات الخدمة ومسارات التصعيد وسجلات التدقيق للعمليات التي ينفذها الوكلاء.
يمتد هذا التحول إلى معضلة تطوير البرمجيات العربية الأصيلة. فطوال العقد الماضي، عوملت اللغة العربية كخطوة توطين لاحقة تُضاف للواجهات الإنجليزية، رغم أن لغة يتحدث بها أكثر من 400 مليون إنسان يوميًا لا يمكن تصنيفها كسوق هامشية. بناء برمجيات ونماذج عربية من الأساس، قادرة على فهم اللهجات المحلية في المجالات التخصصية، يتطلب تكلفة تفوق الترجمة البسيطة، ولن يتحقق ذلك بالدعوات النظرية بل بوضع أوزان ترجيحية صريحة للقدرات اللغوية العربية في جداول تقييم المشتريات الحكومية والشركات الكبرى، وحينها ستتسابق الشركات العالمية لبنائها خلال أشهر قليلة.
وعلى صعيد بناء الكفاءات، تستهدف الإستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي في السعودية تدريب 20 ألف متخصص بحلول عام 2030، ووصلت برامج «سدايا» التدريبية إلى 14,495 متخصصًا وخبيرًا، بينما دربت مبادرة «ساماي» أكثر من مليون مواطن، وقدمت الإمارات 100 ألف إقامة ذهبية للمبرمجين. وفي المقابل، تتوقع تقديرات مؤسسة «آي دي سي» أن يواجه أكثر من 90 بالمئة من المؤسسات حول العالم أزمة نقص في المهارات التقنية بحلول 2026 بخسائر تناهز 5.5 تريليون دولار، ما يضع دول الخليج في منافسة عالمية مباشرة على المهندسين المؤهلين. المقياس الأهم الذي لم يُنشر بعد لبناء السيادة التقنية ليس عدد المتدربين، بل نسبة الاحتفاظ بالكوادر التقنية الوطنية داخل المنظومة بعد مرور ثلاث سنوات.
ما يتغير عمليًا اليوم للمؤسسات ورواد الأعمال في الخليج ومصر والشام هو إعادة تعريف المهارات وتكاليف الإنتاج. مع تسجيل تحول ملحوظ حيث أظهرت بيانات مسرعة «واي كومبينيتر» لدفعة شتاء 2025 أن نحو ربع الشركات اعتمدت على الذكاء الاصطناعي لتوليد 95 بالمئة من شفراتها البرمجية، وتصريح منصة «ريبليت» بأن 75 بالمئة من مستخدميها لا يكتبون شفرات برمجية، لم يعد المهندس المتخصص شرطًا مسبقًا لبناء النموذج الأولي. هذا التحول يمكّن الطبيب في دبي أو المشرف اللوجستي في جدة أو رائد الأعمال في القاهرة من بناء نموذج تطبيقي متكامل واختباره قبل طلب ميزانيات هندسية ضخمة، مما ينقل المنافسة من حجم التمويل إلى سرعة التطبيق وفاعلية التشغيل.
الأدلة التي ستثبت نضج المرحلة لا تحتاج إلى خطابات ترويجية جديدة، بل تتمثل في نشر سجلات تشغيل واضحة لخدمات حكومية تعتمد كليًا على الوكلاء الأذكياء مع تحديد معدلات الخطأ، وإعلان مصفوفات مشتريات تدعم اللهجات العربية، وتقديم أرقام واقعية لنسب الاستبقاء المهني، وشفافية الشركات في إعلان ما استغنت عن فعله يدويًا بفضل الأتمتة والتشغيل الذكي.