الرياض تحتضن قمة خليجية أوروبية ثانية: الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية يعيدان رسم خريطة الاستثمار
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
تعقد الرياض في الرابع والعشرين من أكتوبر المقبل القمة الخليجية الأوروبية الثانية، وهي محطة تتجاوز الإطار التجاري التقليدي لتضع الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية في قلب شراكة استثمارية جديدة بين المنطقتين. المتحدث الرسمي باسم المفوضية الأوروبية أكد لـ«الاقتصادية» أن الأجندة المقبلة تركز على تطوير الاستثمار والتعاون في الاتصال الرقمي والطاقة والصناعة والابتكار، مع بناء سلاسل إمداد ومسارات تجارية أكثر مرونة.
الذكاء الاصطناعي يدخل قلب الشراكة
بحسب المتحدث الأوروبي، فإن من أبرز التحولات المقبلة انتقال التعاون المشترك إلى «اقتصاد الذكاء الاصطناعي»، إذ تشير توجهات الاتحاد الأوروبي الحالية إلى توسع كبير في الاستثمار في البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات. أطلقت المفوضية الأوروبية في يوليو 2026 دعوة لإنشاء ما يصل إلى سبع مصانع ذكاء اصطناعي عملاقة في أوروبا، بتمويل أوروبي ووطني يصل إلى عشرة مليارات يورو، ومن المتوقع أن تعبئ المبادرة ما لا يقل عن عشرين مليار يورو من الاستثمارات الخاصة.
هذا يفتح مجالا واسعا لشراكات خليجية أوروبية محتملة في إنشاء وتشغيل مراكز البيانات، والحوسبة عالية الأداء، وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والخدمات السحابية. وتمتلك دول الخليج قدرات تمويلية كبيرة وخططا واسعة للتحول الرقمي، فيما تملك أوروبا قاعدة بحثية وتقنية وشركات متخصصة في مجالات متقدمة.
البنية الرقمية.. جسر جديد بين الخليج وأوروبا
المفوضية الأوروبية تطرح ضمن أجندة الاتصال المقترحة تعاونا يشمل الاتصال الرقمي والنقل والطاقة. من شأن هذا التوجه أن يوسع مفهوم الربط بين المنطقتين من الممرات التجارية التقليدية إلى بنية تحتية رقمية عابرة للحدود، تشمل شبكات الاتصالات، مراكز البيانات، الخدمات السحابية، الأمن السيبراني وتبادل البيانات. وتؤكد المفوضية أن الرقمنة والاتصال يمثلان بالفعل أحد محاور استراتيجيتها للشراكة مع الخليج، إلى جانب التجارة والاستثمار والطاقة والتحول الأخضر.
الطاقة النظيفة.. مرشحة للتوسع
تحتاج أوروبا إلى مستويات ضخمة من الاستثمار لدعم التحول في قطاع الطاقة، وتقدر المفوضية احتياجات الاستثمار بنحو 660 مليار يورو سنويا خلال 2026 إلى 2030، ترتفع إلى 695 مليار يورو سنويا خلال 2031 إلى 2040. هنا تتقاطع الخبرة والتكنولوجيا الأوروبية مع الاستثمارات الخليجية في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر وتخزين الطاقة والشبكات الذكية، إضافة إلى تطوير تقنيات تخفيض الانبعاثات، مع إمكانية امتداد التعاون إلى مشاريع خارج أسواق الطرفين، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
من التجارة إلى سلاسل قيمة مشتركة
أجندة القمة تشير إلى إمكانات في الصناعات المتقدمة واللوجستيات والتمويل، وقد يعني ذلك انتقال العلاقة تدريجيا من نموذج «التجارة بين الأسواق» إلى نموذج أكثر تعقيدا يقوم على بناء سلاسل قيمة مشتركة، بحيث تدخل الشركات الأوروبية والخليجية في مشاريع إنتاج وتطوير وتمويل وتوزيع مشتركة. secteurs المستفيدة تشمل الصناعات المتقدمة، المعدات والتقنيات الصناعية، الخدمات اللوجستية، التكنولوجيا المالية، التقنيات الصحية، الأمن السيبراني، الاتصالات والطاقة.
اتفاقية التجارة الحرة.. الملف الأكبر
رغم صعود التكنولوجيا والطاقة إلى واجهة الشراكة، تبقى اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون أحد الملفات الاقتصادية الرئيسية. المفوضية تريد اتفاقية طموحة ومتوازنة وذات قيمة تجارية حقيقية، وتجري حاليا عملية تشاور مع الشركات والمستثمرين وغرف التجارة حول تقييم الأثر الاقتصادي، وتمتد فترة التشاور حتى التاسع عشر من أكتوبر 2026، مما يعطي القمة في الرياض أهمية إضافية.
السعودية نقطة تقاء التجارة والاستثمار
بالنسبة إلى السعودية، تتقاطع الأجندة الخليجية الأوروبية الجديدة مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في التنويع الاقتصادي وجذب الاستثمارات والتكنولوجيا وتطوير القطاعات غير النفطية. السعودية والاتحاد الأوروبي يشتركان في دعم مشروع ممر الهند، والشرق الأوسط، وأوروبا، القائم على تطوير روابط متقدمة في النقل والطاقة والبنية الرقمية، مما يفتح المجال أمام مشاريع إقليمية تربط الخليج بأوروبا وآسيا عبر شبكات نقل وطاقة واتصال رقمي.
ما يعنيه هذا للقارئ في المنطقة
القمة المقبلة في الرياض ليست مجرد فعالية دبلوماسية؛ هي إشارة إلى أن تدفقات رأس المال الخليجي والأوروبي ستتجه نحو أصول إنتاجية حقيقية: مراكز بيانات، مصانع ذكاء اصطناعي، بنية تحتية سحابية، وطاقة نظيفة. لمن يعمل في التقنية أو الاستثمار أو السياسات العامة، يعني ذلك أن النافذة تفتح الآن لتحديد المواقع الصحيحة، سواء في بناء القدرات، أو تشكيل التحالفات، أو تجهيز المحافظ للاستثمار في القطاعات التي حددتها أجندة القمة بأنها ذات أولوية مشتركة. القرارات التي ستتخذ في الأسابيع المقبلة حول مشاركة الشركات الخليجية في مصانع الذكاء الاصطناعي الأوروبية، أو دخول الصناديق الأوروبية في مشاريع البنية الرقمية الخليجية، ستشكل خريطة الفرص للسنوات الخمس القادمة.