تخطَّ إلى المحتوى

أتمتة المحاسبة تعمق شح الكفاءات المتوسطة: «مافي» تجمع 4 ملايين دولار لربط الشركات بكفاءات الذكاء الاصطناعي

شارك المقال
أتمتة المحاسبة تعمق شح الكفاءات المتوسطة: «مافي» تجمع 4 ملايين دولار لربط الشركات بكفاءات الذكاء الاصطناعي
الصورة: m. / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

خرجت منصة «مافي» (Mavi) المتخصصة في ربط الشركات بكفاءات المحاسبة والمالية المتمرسة في تقنيات الذكاء الاصطناعي من مرحلة التخفي، معلنة عن جولة تمويل بذري بقيمة 4 ملايين دولار قادتها «هارلم كابيتال» (Harlem Capital) العام الماضي ولم يُكشف عنها إلا حديثا. تأسست الشركة في عام 2023 على يد مولي ليو وأمان بوري، وتستهدف معالجة النقص الحاد في الكوادر المحاسبية داخل الولايات المتحدة عبر نموذج يعتمد على استقطاب وتوظيف المواهب المالية العالمية المؤهلة تقنيا في غضون أيام، مع تولي الإجراءات القانونية وعقود العمل والامتثال العابر للحدود ومسيرات الرواتب.

تستند المنصة إلى أطروحة هيكلية صاغتها رئيستها التنفيذية المشاركة مولي ليو، التي راكمت خبرتها السابقة في شركات تقنية مثل «رامب» (Ramp) و«ليفت» (Lyft) و«دروب بوكس» (Dropbox). وترى ليو أن أدوات الأتمتة البرمجية لا تستطيع وحدها حل أزمات قطاع المحاسبة، إذ تؤدي أدوات الذكاء الاصطناعي إلى أتمتة معظم الأدوار الوظيفية المبتدئة في الإدارات المالية، وهو ما يفرز نتيجة عكسية تتمثل في تفاقم شح الكفاءات على مستوى الخبرة المتوسطة على المدى الطويل، نتيجة تقلص أعداد الموظفين المبتدئين الذين يتدرجون لاكتساب الخبرات المطلوبة للصعود إلى تلك المستويات.

هذا التحول يفرض عبئا مضاعفا على شاغلي المناصب المتقدمة والإدارات المالية؛ فكلما توسعت المؤسسة في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي لأداء المهام الروتينية، تصاعدت الحاجة إلى التدخل البشري والقدرة التقديرية لاتخاذ قرارات حاسمة في المهام الحساسة ورصد الأخطاء التي تقع فيها النماذج. إن كثرة أدوات الذكاء الاصطناعي في الإدارات المالية لا تخفف الضغط عن القيادات، بل ترفع سقف التوقعات المعلقة على حسهم التحليلي والتقديري، لا سيما مع مطالبة فرق المالية بإنجاز مهام أوسع بموارد أقل.

يعيد هذا المسار تعريف مفهوم المحاسب المحترف اليوم، فالتمييز لم يعد قائما على إجادة القيود التقليدية، بل على امتلاك أساس متين في المعايير المالية مقرونا بالقدرة على توجيه نماذج الذكاء الاصطناعي، ومراجعة مخرجاتها لكشف الانحرافات، ودمج النماذج اللغوية الكبيرة في مسارات العمل المالي اليومية، فضلا عن التعامل مع نظم تخطيط موارد المؤسسات المصممة خصيصا للذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، يقتصر المحاسب التقليدي على المبادئ المحاسبية دون امتلاك فهم عملي لكيفية مراجعة أدوات الذكاء الاصطناعي وإدارتها داخل البيئة المالية.

تضم منصة «مافي» حاليا أكثر من 3000 متخصص في المحاسبة، وتخدم عملاء من الشركات مثل شركة منتجات العناية الشخصية «أثينا كلوب» (Athena Club)، مركزة على تلبية احتياجات الوظائف المتوسطة والمتقدمة بدوام كامل لدعم الفرق المالية الداخلية. وتتصدى المنصة لعزوف بعض الشركات الأمريكية عن الاستعانة بالعمالة العالمية، سواء لصعوبة إدارة العقود الدولية أو للشكوك المسبقة حول جودة الكفاءات، مؤكدة ظهور موجة عالمية جديدة من المواهب ذات المعايير العالية التي تماثل السوق الأمريكية أو تتفوق عليها.

يحمل هذا التحول دلالات استراتيجية مباشرة لأسواق المال والأعمال في منطقتنا العربية. ففي مراكز الخدمات المشتركة والتعهيد المالي في مصر والشام، يعني هذا النموذج أن المنافسة القائمة على خفض تكلفة اليد العاملة في الإدخال اليدوي والدفاتر باتت مهددة بالانحسار بفعل الأتمتة؛ وأصبحت القيمة السوقية للمحاسب مرتبطة بإتقان الإشراف على الأنظمة الذكية وتدقيق مخرجات النماذج اللغوية في السجلات الضريبية والمالية. أما في أسواق الخليج، وتحديدا في الشركات الكبرى والمؤسسات المصرفية التي تسرع وتيرة الاستثمار في برمجيات تخطيط الموارد المؤتمتة، فإن الدرس يكمن في موازنة الإنفاق؛ فشراء أحدث حلول الأتمتة دون تدريب الكوادر المتوسطة على مهارات التفكير النقدي والتحقق المحاسبي لا يقلص التكاليف، بل يعرض المؤسسة لمخاطر تدقيقية وتشغيلية باهظة حين تمر أخطاء النماذج دون رصد بشري خبير.

ترى هيئة التحرير أن إعادة تشكيل الوظائف المحاسبية تكشف أن مرحلة الذكاء الاصطناعي الراهنة ليست مرحلة استغناء عن العنصر البشري، بل مرحلة إعادة تسعير للخبرة؛ فالمهام التي يمكن حوسبتها تنخفض قيمتها، بينما تتصاعد قيمة الحكم المهني القادر على توجيه الآلة ومساءلة حساباتها.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد