السعودية تتصدر أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا بنمو إنفاق الذكاء الاصطناعي 124%.. لكن النضج التشغيلي لا يزال العقبة
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
سجلت المؤسسات في المملكة العربية السعودية أعلى معدل نمو سنوي في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي بمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا بنسبة 124%، متفوقة على ألمانيا 118% وفرنسا 113% والمملكة المتحدة 102%، ومتجاوزة المتوسط العالمي البالغ 110%، وفق نتائج الإصدار الثالث من مؤشر نضج الذكاء الاصطناعي للمؤسسات 2026 الذي أعلنته «سيرفس ناو».
طموح الإنفاق يفوق نضج التنفيذ
الأرقام تكشف صورة متناقضة: المؤسسات السعودية من بين الأكثر طموحاً في تبني الذكاء الاصطناعي واستراتيجيات الإنفاق عليه إقليمياً، بحسب تصريح المهندس نايف العنزي نائب رئيس «سيرفس ناو» في المملكة، لكن مؤشر النضج الكلي سجل 50 نقطة من 100، ومحور «سير العمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي» سجل 39 نقطة فقط، أدنى النتائج بين جميع المحاور المقاسة. المحور نفسه هو الأقل نضجاً على مستوى المنطقة كاملة، ما يشير إلى أن الوضوح في الأهداف الاستراتيجية لم يترجم بعد إلى دمج تشغيلي يومي.
الحوكمة هي الفاصل بين العائد والهدر
الدراسة التي أجرتها «ثوتلاب» بتكليف من «سيرفس ناو» تحدد العامل الحاسم: ليس حجم الاستثمار، بل مستوى نضج الحوكمة. المؤسسات الأعلى عائداً على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، متوسط 161% حالياً ومتوقع 194% خلال عامين، هي نفسها التي تتمتع بأعلى نضج في الحوكمة وإدارة البيانات والمخاطر. هذه المؤسسات تسجل إنتاجية أعلى خمس مرات، وتفوقاً 2.6 مرة في توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي، وقدرة أكبر 2.5 مرة على إدارة المخاطر. الحوكمة إذن لا تعيق الابتكار، بل تمثل الأساس الذي يمكّن التوسع بثقة وتحويل الاستثمارات إلى ميزة تنافسية مستدامة.
بيانات مهترئة، أنظمة مجزأة، حوكمة غائبة
التحدي الأول محلياً وإقليمياً هو البيانات: 73% من التنفيذيين في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا يرون أن ضعف دقة البيانات وصعوبة الوصول إليها وإدارتها هو أكبر عائق، والنسبة في المملكة 67%. في الحوكمة والاختبار، لم تطبق سوى 19% من مؤسسات المنطقة عمليات اختبار وتدقيق للذكاء الاصطناعي وإدارة للمخاطر، وتتراجع النسبة في المملكة إلى 18% فقط. أما الأنظمة القديمة، فلم تستبدل سوى 15% من مؤسسات المنطقة أنظمتها بمنصات متكاملة، وتنخفض النسبة في المملكة إلى 13%، ما يبقي تطبيقات الذكاء الاصطناعي تعمل في بيئات مجزأة ومعزولة.
الذكاء الاصطناعي الوكيل: اعتماد واسع، توظيف ضحل
48% من المؤسسات السعودية تستخدم الذكاء الاصطناعي الوكيل، مقارنة بـ57% إقليمياً، لكن 10% فقط في المملكة تستخدمه لإنشاء سير عمل ذاتي التشغيل بالكامل، مقابل 9% إقليمياً. الذكاء الاصطناعي لا يزال في الغالب يدعم الموظفين، ولم يصل بعد إلى مرحلة إعادة تصميم آليات سير العمل بشكل مستقل داخل المؤسسة.
أفق 2027: ما يقارب خمس ميزانيات تقنية المعلومات
من المتوقع أن يشكل الإنفاق على الذكاء الاصطناعي 19.4% من إجمالي ميزانيات تقنية المعلومات في المملكة بحلول 2027، و20.1% على مستوى المنطقة. يأتي هذا النمو المتسارع تحت ضغوط تنظيمية وتنافسية تدفع المؤسسات لتحديث بنيتها الرقمية، فيما ترى 67% من المؤسسات السعودية أن تحديات دقة البيانات وإدارتها تمثل أبرز عائق أمام تحقيق العوائد.
القراءة الإقليمية
النمو الاستثنائي في الإنفاق السعودي على الذكاء الاصطناعي متسق مع مستهدفات رؤية 2030 وتطلعات هيئة البيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) لبنية تحتية رقمية متكاملة. لكن الأرقام تحذر من أن تسارع الالتزام المالي دون موازاة في نضج الحوكمة والبيانات والأنظمة سيحوّل الاستثمارات إلى أصول راكدة لا قيمة أعمال. العقبة ليست في حجم الرهان، بل في السباكة التشغيلية التي تجعله منتجاً.