تخطَّ إلى المحتوى

موسيقى السعودية تختبر دور الذكاء الاصطناعي: أداة للإنتاج أم خصم للهوية الفنية؟

شارك المقال
موسيقى السعودية تختبر دور الذكاء الاصطناعي: أداة للإنتاج أم خصم للهوية الفنية؟
الصورة: Youhana Nassif / Unsplash

حين أزالت «سبوتيفاي» أكثر من 75 مليون مقطوعة مولدة بالذكاء الاصطناعي وصفتها بالمحتوى المزعج خلال عام واحد، لم يكن الرقم خبرًا تقنيًا عابرًا لصناعة الموسيقى. لقد وضع سؤالًا عمليًا أمام الموسيقيين: أين ينتهي المساعد الرقمي، وأين يبدأ الاستبدال الذي يغيّر معنى العمل الفني؟ في السعودية، حيث تتوسع صناعة الموسيقى بسرعة ضمن الاقتصاد الإبداعي، أصبح السؤال حاضرًا داخل الاستوديو وقاعات التعلّم، لا في النقاشات النظرية وحدها.

لا تحظر «سبوتيفاي» الموسيقى المولدة بالذكاء الاصطناعي في ذاتها. ما تستهدفه حملتها هو الإنتاج الكثيف الذي يستخدم البث المزيف والبيانات الوصفية المضللة والرفع الآلي للتلاعب بالمنصة. وفي المقابل، تسمح المنصة بالموسيقى التي تستعين بالذكاء الاصطناعي حين يملك أصحابها الحقوق التجارية اللازمة ويستخدمون التقنية ضمن عملية إبداعية مشروعة. كما أدخلت قيودًا على استنساخ أصوات الفنانين المعروفة بلا تصريح، وأدوات لرصد التلاعب بالبث، ومعايير أفضل للبيانات الوصفية للمحتوى المولّد.

المسألة ليست قبول التقنية أو رفضها في المشهد السعودي، تظهر استخدامات محددة يمكن فصلها عن فكرة أن تحل الآلة محل الفنان. فقد عرضت «مدل بيست ريكوردز» الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة للمراحل الأولى من الإبداع، مثل اقتراح إيقاع أولي أو جملة موسيقية أو عينة مرخّصة الحقوق، مع التشديد على حقوق كتّاب الأغاني وأصحاب حقوق النشر. وهذا يضع الأداة في موضع المساندة، لا في موضع صاحب القرار الفني.

وتتحرك «هيئة الموسيقى السعودية» في اتجاه تعليمي قريب عبر مبادرة «ميوزك إيه آي»، التي أطلقت في أواخر 2024 لتعليم الآلات العربية والغربية بتقنية تفاعلية. يضم البرنامج أصواتًا سعودية وتراثًا موسيقيًا عربيًا، ويستخدم الذكاء الاصطناعي لتقديم تغذية راجعة وتخصيص التعلّم. هنا لا يكون الوعد إنتاج أغنية بضغطة واحدة، بل توسيع قدرة المتعلّم على التمرين وفهم الأداء.

يرى عازف الغيتار السعودي معتسم أبو السلقان، المعروف باسم «موتسكور»، أن مكان التقنية ينبغي أن يظل داعمًا. فهو يضع الكتابة والتلحين في صلة مباشرة بمشاعر الفنان، لكنه يقر بفائدة عملية للذكاء الاصطناعي في كتابة التبليتشر للغيتار، وترتيب الأفكار الموسيقية، والتحقق من التشابه غير المقصود مع أعمال قائمة. أما المنتج ودي جي «إل فويغو» فيقبل استخدامه العادل ما دام لا يتدخل في الغريزة الإبداعية للفنان، ويرى أن المكساج والماسترينغ والهندسة الصوتية قد تتيح للمستقلين قدرات تتطلب عادة خدمات مهنية مكلفة.

الفائدة التقنية لا تحسم سؤال الملكية فمع تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي، تتصاعد أسئلة استخدام الموسيقى المحمية في تدريب النماذج، وموافقة أصحابها، ومن يستحق التعويض حين تسهم أعمالهم في مخرجات مولدة. وتبرز أيضًا مسألة الاعتماد الكامل: يحذر أبو السلقان من أن فقدان مهارات العزف وكتابة الأغاني والتلحين قد يصبح خطرًا على الأجيال المقبلة إذا استغنى الموسيقيون عن التدريب البشري.

هذا الاعتراض أكثر صراحة لدى لوريلين، مغني فرقة الميتال السعودية «أتاراكسيم»، الذي يرفض الذكاء الاصطناعي التوليدي في الفنون. حجته لا تتعلق بالصوت الناتج وحده، بل بالعلاقات التي تصنع العمل: موسيقيون يتبادلون الأفكار، ومنتجون يشكلون الأداء، ومتعاونون يتركون أثرهم في النتيجة. ويرى أن نمو البنية الموسيقية في المملكة يمنح الفنانين الصاعدين مسارًا آخر يقوم على التعاون والأداء وتطوير الصوت الفردي.

بالنسبة للعاملين في الموسيقى في الخليج والسعودية، الإشارة العملية واضحة: يمكن أن تدخل أدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم والإنتاج التقني من دون أن تمنحها حق تقرير هوية العمل أو مصدره. لكن ذلك يتطلب من الفنان والجهة المنتجة تثبيت الحقوق، والانتباه إلى البيانات الوصفية، وحماية الصوت والمواد الأصلية. فالاختبار الحقيقي ليس قدرة النظام على تقليد نغمة بشرية، بل قدرة القطاع على إبقاء التجربة والتعاون وملكية الإبداع في موضعها الصحيح.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد