من التوقعات إلى البنية التحتية: الرياض وباريس توسعان شراكتهما في الذكاء الاصطناعي ونماذجه المفتوحة
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
تنتقل الشراكة التقنية بين المملكة العربية السعودية وفرنسا من مرحلة استكشاف الفرص الاستثمارية العامة إلى بناء تعاون مؤسسي متكامل يغطي النماذج اللغوية الكبيرة، والبحوث المتقدمة، والروبوتات، وحوكمة البيانات. هذا التحول يأتي بعد ثلاثة أعوام من تحديد الذكاء الاصطناعي التوليدي كأولوية استراتيجية مشتركة بين البلدين خلال منتدى الاستثمار الفرنسي السعودي في باريس عام 2023، حين أشار وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي عبد الله السواحه إلى قدرة هذا القطاع على توسيع سوق برمجيات المؤسسات عالميا من تريليون دولار إلى 14 تريليون دولار بحلول عام 2030 باعتباره مضاعفا اقتصاديا ومحركا للمواهب.
شهدت المحادثات الثنائية قفزة هيكلية بتأسيس مجلس الشراكة الاستراتيجية خلال زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المملكة في ديسمبر 2024. حدد المجلس مجالات رئيسية للتعاون شملت الذكاء الاصطناعي، والتقنيات الكمية، والاتصالات وتقنية المعلومات، والفضاء، والمدن الذكية. وتلا ذلك إعلان هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار في السعودية ومبادرة المشاريع الأوروبية الرائدة «جيدي» عن خطط لاستكشاف برامج بحثية مشتركة طموحة، تستهدف مجالات حيوية تشمل الطاقة، والتقنية الحيوية، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، بالاعتماد على الفرق الأكاديمية والبحثية لدى الجانبين.
تعمقت الشراكة العملية عبر لقاءات متخصصة عقدها السواحه في باريس بحلول يوليو 2025، حيث بحث مع آرثر مينش، الرئيس التنفيذي لشركة «ميسترال إيه آي»، سبل التعاون في تطوير النماذج اللغوية الكبيرة مفتوحة المصدر والذكاء الاصطناعي التوليدي. كما تناولت المحادثات مع برونو سبورتيس، الرئيس التنفيذي للمعهد الوطني الفرنسي للبحث في العلوم والتقنيات الرقمية «إنريا»، سبل إنشاء مختبرات بحثية مشتركة وبرامج لتبادل الباحثين في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والروبوتات، في حين ركزت النقاشات مع شركة «إنشانتد تولز» على الروبوتات التفاعلية المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
لم يقتصر التعاون على تطوير النماذج بل امتد إلى الأطر التنظيمية وحوكمة البيانات، حيث شملت المباحثات مع ماري لور دينيس، رئيسة هيئة حماية البيانات الفرنسية «سي إن آي إل»، تنظيم التقنيات الناشئة وأطر إدارة البيانات. وعلى المسار الصناعي والاستثماري، بحثت لقاءات مع باتريس كاين، الرئيس التنفيذي لشركة «تاليس»، الأنظمة الذكية وتقنيات الفضاء، فيما ركزت المحادثات مع المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي على التقنيات العميقة وبناء القدرات، وبحثت مجموعة «يورازيو» الاستثمارية آليات الاستثمار المشترك ودعم الشركات السعودية الناشئة للتوسع دوليا.
يتزامن هذا المسار مع نمو ملحوظ في البنية التحتية الرقمية السعودية، إذ وصل حجم الاقتصاد الرقمي للمملكة إلى نحو 140 مليار دولار بحلول فبراير 2026، مستحوذا على أكثر من نصف نمو الاقتصاد الرقمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى جانب ارتفاع سعة مراكز البيانات من أقل من 80 ميغاوات إلى أكثر من 440 ميغاوات، ووصول القوى العاملة التقنية إلى 340 ألف متخصص. وفي المقابل، عززت فرنسا موقعها بتنظيم قمة العمل من أجل الذكاء الاصطناعي في باريس خلال فبراير 2025 بمشاركة أكثر من 100 دولة، وإعلان استثمارات في البنية التحتية للحوسبة بلغت 127 مليار دولار.
يعكس هذا التقارب تحول الحوار بين الرياض وباريس من قياس الحجم النظري للسوق إلى المشاركة المباشرة في تطوير التقنيات المتقدمة، وبناء القدرات البحثية والحوسبية، والمساهمة في صياغة القواعد المنظمة لاستخداماتها المستقبلية.