«الكائن الرقمي»: مخطط علمي يربط النماذج التأسيسية بمحاكاة المستويات الحيوية من الجزيئات إلى الكائن الكامل
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
تماماً كما يختبر مهندسو الفضاء وهندسة الطيران تصاميم الطائرات عبر النماذج والمحاكاة الحاسوبية لآلاف المرات قبل البدء في بنائها الفعلي، يقترح فريق بحثي مخططاً علمياً يهدف إلى تمكين علماء الأحياء من امتلاك القدرة التحليلية والمحاكاتية ذاتها عند التعامل مع المنظومات البيولوجية. هذا المخطط، الذي طُرح في 13 أغسطس 2026 تحت عنوان «كيفية بناء كائن رقمي مدفوع بالذكاء الاصطناعي»، يقوده باحثون من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي بالتعاون مع باحثين مرتبطين بمؤسسات أكاديمية شملت معهد وايزمان للعلوم وجامعة كارنيغي ميلون ومبادرة جين بايو للذكاء الاصطناعي. وشارك في صياغة هذا الإطار كل من إريك شينغ، رئيس الجامعة وأستاذ الذكاء الاصطناعي، وعيران سيغال، عميد قسم العلوم البيولوجية وعلوم الحياة، وداسونغ لي، أستاذ تعلم الآلة في الجامعة.
يقوم الجوهر العلمي للمقترح على تأسيس ما يُعرف بـ «الكائن الرقمي المدفوع بالذكاء الاصطناعي»، وهو نظام متكامل من النماذج التأسيسية متعددة النطاقات والمقاييس. وتعتمد هذه المنظومة على تصميم معياري وقابل للربط والتكامل الشامل، بما يعكس بدقة التدرج في المقاييس البيولوجية ومستويات التعقيد والترابط البيني القائم في الأنظمة الحية. ويتمثل الهدف التقني في وصل النماذج التأسيسية المتخصصة في الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين، والحمض النووي الريبوزي، والبروتينات، والخلايا، والأنسجة، وحتى مستوى الكائن الحي بأكمله، ضمن محاكٍ واحد متصل، بحيث يمكن لأي تعديل يطرأ على أحد هذه المستويات أن تنعكس آثاره وتفاعلاته بصورة ديناميكية عبر سائر المستويات الأخرى في المنظومة.
محاكاة رقمية متكاملة وتجارب معملية موجهة
يمثل هذا الكائن الرقمي منصة بديلة تتميز بكونها آمنة واقتصادية ومنخفضة التكلفة، فضلاً عن قدرتها على توفير إنتاجية بحثية عالية تتيح التنبؤ بالظواهر البيولوجية ومحاكاتها وبرمجتها على كافة المستويات، بدءاً من البنى الجزيئية الدقيقة، مروراً بالبنى الخلوية، ووصولاً إلى الأفراد والكائنات الحية. وتوفر هذه البيئة الحاسوبية إمكانية اختبار الفرضيات وسلوك المسارات الحيوية رقمياً قبل الشروع في الاختبارات المعملية، مما يقلل من التعقيدات والتكاليف التشغيلية المرتبطة بالتجارب المباشرة في مراحل الاستكشاف الأولى.
ويرى الفريق العلمي أن بناء هذا الكائن الرقمي من شأنه إطلاق موجة جديدة ومتقدمة من التجارب المعملية الرطبة الأكثر توجيهاً ودقة، بالتوازي مع تعزيز الاستدلال العلمي المستند إلى المبادئ الأولى والمدعوم بالبيانات، بما يخدم جهود فك رموز الحياة وتفسير آلياتها المعقدة وتحسينها على أسس علمية رصينة. وفي الوقت نفسه، يظل تحديد مجالات التطبيق المباشرة في قطاعات مثل الطب أو الزراعة أمراً غير محسوم بعد، وفي انتظار ما ستسفر عنه مراحل البحث والتطوير القادمة.