تخطَّ إلى المحتوى

في الصومال، الذكاء الاصطناعي يحدد أين تصل وجبة قبل فوات الأوان

شارك المقال
في الصومال، الذكاء الاصطناعي يحدد أين تصل وجبة قبل فوات الأوان
الصورة: MOHAMED ABUKAR / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

في منطقة بورحقبة الصومالية، لم تكن نتيجة التنبؤ رسما جديدا على شاشة، بل غذاء وصل إلى 48 ألف شخص ودعم تغذوي خُصص لثلاثة آلاف امرأة وطفل. استخدم برنامج الأغذية العالمي أدوات الذكاء الاصطناعي في منصة HungerMap Live لرصد تدهور الأوضاع قبل أن يتحول سوء تغذية الأطفال إلى نزوح أو وفاة. هنا تصبح قيمة النموذج قابلة للقياس بالوقت الذي كسبته الأسرة قبل أن تغلق الأزمة نافذة التدخل.

الخريطة لا تطعم أحدا، لكنها تغير توقيت القرار. تجمع المنصة بيانات عن انعدام الأمن الغذائي والمناخ والاقتصاد والزراعة والتضخم، وتساعد على تحديد المناطق التي تعاني الجوع الآن أو تتجه نحوه. أُطلقت النسخة الأولى في يناير 2020 لمراقبة الأمن الغذائي في أكثر من 90 دولة، وكانت تستخدم الذكاء الاصطناعي لتقدير مستويات الجوع حين تكون البيانات المحلية ناقصة. لكن قدرتها على توقع الأزمات المقبلة ظلت محدودة، كما لم تكن تتابع الجودة التغذوية للغذاء المتاح.

في أبريل، أطلق البرنامج النسخة الثانية من المنصة بواجهة جديدة وخصائص تنبؤية أوسع. وبدلا من الاكتفاء بوصف مكان الجوع، باتت الأداة تساعد الفرق على تفسير أسباب التدهور وتقدير المناطق التي قد تسوء فيها الظروف لاحقا. في الصومال، تدخل في التحليل مؤشرات مثل نقص الأمطار، وخطر الفيضانات، وأسعار الأسواق، والصراع، والتغذية. النتيجة ليست أمرا آليا بتوزيع المساعدات، بل إشارة تدعم قرارا بشريا حول المجتمع الذي يحتاج التدخل أولا ونوع الدعم الأنسب، سواء كان مالا نقديا أو علاجا متخصصا لسوء التغذية.

حين يقل التمويل، تصبح الأولوية قرارا أخلاقيا. يواجه ستة ملايين صومالي مستويات أزمة من انعدام الأمن الغذائي، بينما يستطيع برنامج الأغذية العالمي الوصول إلى واحد فقط من كل عشرة محتاجين. ويقول مسؤول التحليل ورسم خرائط الهشاشة في البرنامج بالصومال إن المكتب يحتاج إلى 192 مليون دولار إضافية حتى يناير 2027 للوصول إلى جميع من يحتاجون الغذاء. لذلك تحسن الخوارزمية جودة المفاضلة، لكنها لا تجعل حرمان التسعة الآخرين مقبولا.

السياق يزيد صعوبة الحساب. الصومال يتعرض لدورات من الجفاف المرتبط بتغير المناخ ثم السيول المفاجئة، ويعيش صراعا مستمرا منذ 35 عاما أودى بحياة مئات الآلاف. كما يستورد معظم غذائه، ما يجعله مكشوفا لصدمات الأسعار العالمية، ومنها أثر الصراع الجاري في الشرق الأوسط. وفي يونيو، أضاف برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة الصومال إلى قائمة بؤر الجوع الأعلى إثارة للقلق. بهذا المعنى، لا تتنبأ المنصة بمتغير واحد، بل تحاول قراءة تقاطع الطقس والسوق والعنف والتغذية قبل أن يظهر بالكامل في العيادات ومخيمات النزوح.

المكسب للجنوب العالمي هو وقت إضافي، لا علاج لنقص الموارد. بعدسة التضامن مع الجنوب العالمي، تقدم التجربة حجة عملية ضد حصر الذكاء الاصطناعي في مساعدات المكاتب وأسواق الإعلان. تستطيع المؤسسات الإنسانية والحكومات ذات الموارد المحدودة استخدام بيانات متفرقة لتقديم الإنذار المبكر، وتحريك المخزون، واختيار تدخل أقل كلفة قبل اتساع الكارثة. لكن العدالة لا تتحقق لأن النموذج أكثر دقة وحده، بل حين تكون البيانات المحلية ممثلة، والقرار قابلا للمراجعة، والتمويل موجودا لتنفيذ ما تكشفه الإشارة.

هذه النقطة مهمة للمنطقة العربية أيضا. اليمن والسودان وفلسطين مدرجة ضمن بؤر القلق الأعلى نفسها، بينما تؤثر صدمات الشرق الأوسط في أسعار الغذاء خارج حدوده. يمكن للوزارات وصناديق الإغاثة ومراكز الأرصاد في المنطقة قراءة تجربة الصومال كنموذج للتنسيق بين بيانات الطقس والأسواق والتغذية، مع إبقاء التحقق الميداني أساسا لا تفصيلا. برنامج الأغذية العالمي نفسه يؤكد أن بيانات المنصة لا تستبدل التقييم على الأرض.

الخلاصة الصادقة أن HungerMap Live 2.0 اختصرت المسافة بين التحذير والقرار في بورحقبة، وساعدت في توجيه مساعدة ملموسة. لكنها كشفت في اللحظة نفسها حدود التقنية: الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يوضح أين يشتد الجوع، ولا يستطيع أن يصنع الموارد الغائبة. قيمة هذه التجربة ليست في الادعاء بأن الخوارزمية حلت الأزمة، بل في أنها منحت العاملين وقتا أفضل لاستخدام كل وجبة متاحة قبل فوات الأوان.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد