قفزة صادرات كوريا الجنوبية تكشف احتكار الذاكرة: 80 بالمئة من شرائح النطاق العريض في قبضة شركتين
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
سجلت صادرات كوريا الجنوبية قفزة قياسية جديدة خلال شهر سبتمبر الماضي، مدفوعة بطلب غير مسبوق على شرائح الذاكرة المستخدمة في تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي. ووفقا للبيانات الأولية الصادرة عن مصلحة الجمارك الكورية، قفزت الصادرات بنسبة 83.5 في المئة على أساس سنوي لتصل إلى 120.9 مليار دولار، متجاوزة الرقم القياسي السابق المسجل في يونيو والبالغ 102.25 مليار دولار. تعكس هذه الأرقام تحول رابع أكبر اقتصاد في آسيا إلى مركز ثقل حرج يغذي سباق البنية التحتية للحوسبة المتقدمة حول العالم.
شكلت شحنات أشباه الموصلات ما يقرب من نصف إجمالي الصادرات الكورية، مسجلة ارتفاعا تجاوز 260 في المئة لتبلغ 60.3 مليار دولار. وبفضل هذا الأداء الاستثنائي، بلغت الصادرات التراكمية منذ بداية العام وحتى نهاية سبتمبر 814.5 مليار دولار، متخطية إجمالي صادرات عام 2025 بأكمله، والتي كانت قد سجلت رقما قياسيا عند 709.7 مليار دولار، كما حققت البلاد فائضا تجاريا قدره 49.85 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى.
يرتكز هذا الصعود القياسي على اختناق حاد في سلاسل إمداد الذاكرة العالمية الموجهة للذكاء الاصطناعي. تفيد تقديرات شركة «كاونتربوينت ريسيرش» بأن شركتي «إس كيه هاينكس» و«سامسونج للإلكترونيات» تسيطران معا على نحو 80 في المئة من السوق العالمية لذواكر النطاق الترددي العالي، إضافة إلى 60 في المئة من سوق ذواكر الوصول العشوائي الديناميكية. هذا التركز الصناعي جعل كبرى الشركات العالمية المصممة لرقائق التسريع تعتمد بصورة مباشرة على خطوط الإنتاج الكورية، في ظل نقص عالمي مستمر في الرقائق المتخصصة المطلوبة لتدريب النماذج وتشغيلها.
انعكس هذا الطلب على المؤشرات الاقتصادية الداخلية لكوريا الجنوبية بصورة واضحة، إذ قفز النمو الاسمي للناتج المحلي الإجمالي بنسبة 26.4 في المئة على أساس سنوي في الربع الممتد من أبريل إلى يونيو، مسجلا أعلى وتيرة نمو في خمسة عقود. وتتوقع وزارة الاقتصاد والمالية الكورية أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3 في المئة خلال عام 2026، وهو أقوى أداء منذ عام 2017 باستثناء سنوات الجائحة غير الاعتيادية، كما ارتفع مؤشر «كوسبي» للأسهم الكورية بنحو 60 في المئة منذ بداية العام. وصرح وزير التجارة والصناعة كيم جيونغ كوان بأن هذه النتائج تعزز طموح الوصول إلى تريليون دولار في الصادرات السنوية، محذرا في الوقت نفسه من تنامي سياسات الحماية التجارية العالمية والتوترات في الشرق الأوسط كمتغيرات مؤثرة على استدامة هذا المسار.
بالنسبة للمؤسسات والشركات في منطقة الخليج ومصر والمشرق العربي، فإن هذا التركز الصناعي يفرض واقعا تشغيليا واستثماريا جديدا. مشاريع بناء مراكز البيانات والتوسعات السحابية التي تقودها جهات حكومية ومصرفية في الرياض وأبوظبي، أو مساعي بناء نماذج وطنية ومحلية، تجد نفسها مرتبطة بشكل وثيق بتوافر هذه الذواكر وأسعارها المرتفعة. إن كنت تقود فريقا تقنيا أو تضع ميزانية البنية التحتية الرقمية، فعليك أن تتوقع استمرار هوامش التسعير المرتفعة لدى مزودي السحابة، وتأخر جداول توريد الخوادم المجهزة ببطاقات التسريع، لأن اختناق التوريد الكوري يتحول مباشرة إلى زيادة في النفقات الرأسمالية والتأجيرية في المنطقة.
التحكم في عنق زجاجة العتاد يثبت أن استقلالية الذكاء الاصطناعي تتجاوز البرمجيات إلى قدرات التصنيع المادي. يضع هذا الواقع مراكز التطوير الإقليمية أمام ضرورة تحسين كفاءة استخدام الموارد الحسابية المتوفرة وتقليل الهدر في الذاكرة، مع مراجعة شروط العقود طويلة الأجل مع موردي السحابة والعتاد لضمان حصص مضمونة من قدرات المعالجة وسط سوق عالمي متقلب وشديد التركز.