حين تسقط المقاود والمرايا: مبادرة فيدرالية تؤسس لاختبار كفاءة القيادة الذاتية
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
تظل المعضلة الأكثر تعقيدًا أمام مطوري المركبات ذاتية القيادة والمشرعين تكمن في تحديد اللحظة التي تصبح فيها التكنولوجيا آمنة بما يكفي للسير على الطرق العامة. طوال السنوات الماضية، تُرِكت الإجابة عن هذا التساؤل للشركات التجارية نفسها، سواء تلك التي تطور شاحنات ذاتية القيادة أو أساطيل سيارات الأجرة الآلية أو مركبات الركاب الشخصية في المستقبل. واليوم، لا يوجد في الواقع اختبار معياري موحد يقيس جودة أداء أنظمة القيادة المؤتمتة على الطرق الواقعية على غرار اختبارات القيادة ورخص القيادة الإلزامية التي يخضع لها البشر قبل السماح لهم بالقيادة، مما خلق فراغًا تشريعيًا تسعى الإدارة الوطنية للسلامة المرورية على الطرق السريعة في الولايات المتحدة لسده عبر اتفاق مع جمعية مهندسي السيارات لإطلاق مبادرة مشتركة تحت اسم «أسيند» لتسريع معايير الأداء القائمة على البيانات.
تنطلق هذه المبادرة الحكومية الصناعية من واقع مأزوم في معايير السلامة الفيدرالية الحالية للمركبات، إذ صُممت تلك اللوائح لتلائم السيارات التقليدية وتفترض وجود معدات إلزامية كالمقود والدواسات والمرايا الجانبية ومرايا الرؤية الخلفية. غير أن الطرازات الحديثة، مثل «سايبر كاب» من تيسلا ومركبات «زوكس» الآلية التابعة لشركة أمازون، تخلت تمامًا عن هذه الأدوات الميكانيكية التقليدية، مما وضع الأجهزة التنظيمية في مأزق ملاحقة الابتكار. وأوضح مدير الإدارة الوطنية جوناثان موريسون، في قمة آفاق الذكاء الاصطناعي بمدينة بيتسبرغ، أن الهدف هو صياغة إطار فيدرالي يضع السلامة أساسًا دون خنق الابتكار، وتفادي سياسة ردود الفعل الآنية المتفرقة أو محاولة التكهن بمسار تطور التكنولوجيا، واستبدال القواعد المحلية والولائية المتضاربة بقواعد فيدرالية موحدة تركز على كفاءة أنظمة القيادة المؤتمتة.
التنظيم الفيدرالي يتحرك بحذر بينما يتسارع التوسع التجاري على الأرض. تعمل شركة «زوكس» حاليًا ضمن سقف تشغيلي يقتصر على مئة مركبة في لاس فيغاس، وهو قيد ينتهي مفعوله في الخامس والعشرين من سبتمبر الحالي ليفسح المجال أمام توسيع أسطولها التجاري المخصص. وفي الوقت نفسه، استأنفت «وايمو» خدمات مركباتها في سان أنطونيو بولاية تكساس بعد خمسة أشهر من واقعة جرف إحدى مركباتها في فيضان مباغت، ودشنت خدمة جديدة في لاس فيغاس مع التوجه نحو سنغافورة لبدء مسح الطرق واختبار تقنياتها. وتستعد شركة «ماي موبيليتي» لطرح أسهمها في البورصة عبر اندماج استثماري بقيمة تفوق 1.4 مليار دولار، بالتزامن مع توقيع «لوسيد» شراكة مع منصة «بولت» لنشر ما لا يقل عن 25 ألف مركبة ذاتية القيادة، مما يؤكد أن الاستثمارات تتدفق إلى الميدان قبل اكتمال مساطر التقييم الرسمية.
هذا التحول في فلسفة الاعتماد يعيد ترتيب أولويات المشهد التنظيمي والتنفيذي في الشرق الأوسط. تعتمد أسواق الخليج، التي تقود مشاريع تجريبية وطموحة لنشر سيارات الأجرة الآلية وشبكات النقل الذكي، على المرجعيات الهندسية العالمية كمعايير جمعية مهندسي السيارات واللوائح الفيدرالية لتقييم سلامة الأنظمة المستوردة قبل منحها تصاريح السير. وحين ينتقل الفحص التنظيمي من مراجعة المكونات الفيزيائية كالفرامل والمرايا إلى قياس الكفاءة الخوارزمية لنظام القيادة عبر البيانات، يتغير عبء التدقيق لدى هيئات النقل الإقليمية؛ إذ يصبح لزامًا على المخططين والمهندسين استبدال فحوصات السلامة الميكانيكية التقليدية بأطر تدقيق برمجية مستمرة تقيس استجابة النماذج للطوارئ والبيئات المزدحمة. كما يتغير القرار الاستثماري للشركات المشغلة لأساطيل النقل في مصر والشام والخليج، حيث تصبح تكلفة تشغيل المركبة مرتبطة بقدرتها على الامتثال لمعايير الكفاءة الخوارزمية المعتمدة بدل الرهان على الوعود التسويقية غير الموحدة للمصنعين.
ورغم الضرورة الملحة لهذه المعايير، فإن التحالف لم يعلن بعد جدولًا زمنيًا محددًا لإصدار مسودة القواعد النهائية لكفاءة الأنظمة، في حين بدأت أطراف الصناعة بالفعل تقديم مرئياتها ومحاولة صياغة الإطار بما يناسب مصالحها. ويبقى التحدي قائمًا بين رغبة الجهات الرقابية في حماية مستخدمي الطرق وبين محاولات الشركات دفع التكنولوجيا نحو الأسواق التجارية، في مشهد يؤكد أن اختبار كفاءة الذكاء الاصطناعي في القيادة بات الحد الفاصل بين التوسع التجاري المنضبط والفوضى التشغيلية.