تخطَّ إلى المحتوى

أدوات الحنين المصطنع تقتحم المنصات العربية: صور الثمانينيات بين التوظيف الإعلاني ومخاطر حصد البيانات الحيوية

شارك المقال
أدوات الحنين المصطنع تقتحم المنصات العربية: صور الثمانينيات بين التوظيف الإعلاني ومخاطر حصد البيانات الحيوية
الصورة: Dan Counsell / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي في العالم العربي موجة واسعة من الصور الرجعية المولدة بنماذج الذكاء الاصطناعي، لتعيد رسم ملامح المستخدمين والشخصيات العامة ضمن قوالب بصرية تحاكي ثمانينيات القرن الماضي. تميزت هذه الصور بالوميض الأصفر، والدرجات اللونية الدافئة، والتصوير الحبيبي، والأزياء الكلاسيكية، ما دفع فنانين ومطاعم ومصارف وشركات اتصالات إلى الانخراط في هذا النمط التوليدي الذي أعاد تشكيل الحضور الرقمي عبر عدسة تحاكي عقوداً مضت.

لم تتوقف هذه الظاهرة عند حدود المحاكاة الترفيهية، بل أثارت نقاشات نقدية حول استهلاك الذاكرة. طرحت شبكة الجزيرة في تقرير تحليلي تساؤلات حول أسباب اندفاع أجيال لم تعاصر الثمانينيات إلى تصوير أنفسهم كأنهم عاشوها، مفسرة ذلك بمفهوم «الحنين غير المباشر» الذي يتشكل عبر ما استقر في المخيلة من أفلام ووسائط قديمة. ترصد محررتنا كيف يتحول الحنين من عاطفة فردية أصيلة إلى سوق متكاملة تبيع الماضي المصطنع عبر مرشحات توليدية، مدفوعة بالبحث عن ملاذ وهمي يفترض أن الماضي لا يفاجئ ساكنيه بمخاوف الغد، لتبرز المفارقة في نشر صور تمثل توقاً إلى ذكريات لم تحدث أساساً.

في المقابل، ركزت منصات إعلامية عربية على الجوانب الأمنية، محذرة من أن التطبيقات المستخدمة في إنتاج هذه الملامح الرجعية لا تمثل مجرد أداة تعديل عابرة، بل قد تشكل فخاً لجمع الصور والبيانات الشخصية وفق ما أوردته قناة العربية في تغطيتها للنمط المنتشر في مصر. أوضحت تقارير متلفزة أن الوجوه المرفوعة تختزن قياسات حيوية بالغة الحساسية يمكن استغلالها في تقنيات التعرف على الوجوه، إلى جانب خطر الروابط الاحتيالية التي تدعي توفير المرشحات لتخترق هواتف المستخدمين. وجاء التحذير صريحاً بأن العودة إلى الثمانينيات قد تستغرق ثواني معدودة، لكن البيانات والصور قد تظل مخزنة على الشبكة لسنوات طويلة.

هذا الجدل لم يمنع قطاعات الأعمال من تحويل الظاهرة التوليدية إلى حملات تسويقية وتجارية. وظف مطعم وجبات سريعة في السعودية تقنيات التوليد لإنتاج صوره الخاصة مصحوبة بتعليق يفيد بأنه على الرغم من عدم معايشة ذلك العقد، إلا أن تخيله ممكن بطريقة خاصة. واستند مصرف أبوظبي التجاري في مصر إلى المفارقة بين صعوبة التقنيات القديمة وسلاسة الخدمات المصرفية الرقمية الحديثة، في حين نشرت شركة اتصالات سعودية صورة بالذكاء الاصطناعي لحاسوب قديم مذيلة إياها بعبارة تؤكد أنها أيام تستحق الذكرى لكن لا تستحق أن تُعاش مجدداً، ما يوضح تحول قوالب التوليد إلى أدوات لجذب التفاعل الرقمي.

على صعيد السياق الثقافي، نبهت صحيفة الأخبار اللبنانية إلى أن النماذج الرقمية تميل إلى انتقاء العناصر الأكثر بريقاً مثل الألوان والملابس والموسيقى، مجردة الماضي من وقائعه المعقدة. الاستعادة الرقمية لثمانينيات القرن الماضي تصطدم في بلدان مثل لبنان بحمولة تاريخية ثقيلة، إذ تقف خلف الصور الدافئة والملامح الكلاسيكية ذكريات الحرب الأهلية والفرز والنزوح والحرمان، وهو ما يتوارى تماماً خلف المعالجات الخوارزمية التي تختزل الحقب التاريخية في بريق بصري ناصع.

ترى محررتنا أن هذه الموجة التوليدية تفرض استحقاقات عملية مباشرة على مديري التسويق وفرق الامتثال السيبراني في الخليج ومصر والمشرق العربي. من زاوية القرارات المؤسسية، إذا كنت تقود فريقاً تقنياً أو تسويقياً، فعليك أن تفحص سياسات الخصوصية للبرمجيات الوسيطة وتدقق مسار معالجة البيانات الحيوية قبل حث جمهورك على مشاركة صورهم، تجنباً للمساءلة في ظل تشريعات حماية البيانات الشخصية الصارمة في السعودية والإمارات ومصر. وعلى صعيد المهارات، يتبين أن الاندفاع غير المدروس خلف القوالب التوليدية الجاهزة يهدد بتسطيح السياقات الثقافية للمنطقة وتجاهل ذاكرتها التاريخية، ما يفرض تدريب الكفاءات الإبداعية على المواءمة الدقيقة بين قدرات النماذج وخصوصية المجتمعات المحلية.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد