سيادة البيانات والأمن يوجهان قرارات المؤسسات السعودية في تشغيل الذكاء الاصطناعي
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
انتقلت المؤسسات السعودية من تجربة الذكاء الاصطناعي إلى تشغيله الفعلي ومراقبة وكلائه، وتغيّر السؤال الذي تطرحه اليوم: لم يعد كيف نختبر التقنية، بل كيف نراقب وكلاء الذكاء الاصطناعي، وكيف نحدد صلاحياتهم، وأين يجب أن تعمل هذه الأنظمة، وما البيانات التي ينبغي أن تبقى داخل المملكة. هذا التحول، الذي أصبح من أكثر ملامح السوق السعودية وضوحاً، ترصده بيترا جينر، نائبة الرئيس الأولى والمديرة العامة لـ«سبلانك» في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، في حديث حصري مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «سبلانك .conf26» في دنفر.
تصف جينر وكلاء الذكاء الاصطناعي بأنهم جزء من «قوة العمل الجديدة»، بما يعني أن المؤسسة تحتاج إلى مراقبتهم والتحكم فيهم وفهم ما يقومون به، كما تفعل مع أي عنصر آخر يؤدي دوراً داخل بيئة العمل. النقاش حول الذكاء الاصطناعي الوكيلي أصبح واسعاً جداً في المملكة، والطلبات الواردة من العملاء تركز بصورة متزايدة على كيفية مراقبة الوكلاء، واكتشاف المخاطر المرتبطة بهم، ومحاولة الحد منها قبل أن تتحول إلى مشكلة تشغيلية أو أمنية.
السحابة ليست قراراً واحداً للجميع
لا ترى المؤسسات السعودية قرار الانتقال إلى السحابة على أنه خطوة أحادية يمكن تطبيقها على جميع الأنظمة بالطريقة نفسها. هدف «سبلانك» كان إعطاء العملاء حرية اختيار مكان تشغيل كل عبء عمل، سواء في السحابة أو داخل البنية التحتية الخاصة بالمؤسسة. عدد من الشركات طلب إتاحة الخدمة السحابية داخل المملكة بسبب الحاجة إلى قابلية توسع أكبر واقتصاديات تشغيل مختلفة، وهو ما دفع الشركة إلى الاستثمار في «Splunk Cloud» محلياً. هذا لا يعني أن السوق تتجه بالكامل نحو السحابة. عندما سُئلت جينر عن العوامل التي تحدد قرار المؤسسة، رتبت الأولويات على نحو واضح: «الأمن أولاً»، ثم اقتصاديات الحجم، ثم التكلفة وطبيعة التطبيق. كثير من الشركات تنتهي عملياً إلى بيئات هجينة تجمع بين النموذجين.
الجغرافيا السياسية تعيد قيمة «الخيار»
أضافت جينر عاملاً آخر، هو السياق الجيوسياسي، معتبرة أن عدداً متزايداً من العملاء يريد ببساطة الاحتفاظ بخيارات متعددة حول مكان تشغيل الأنظمة ومكان وجود البيانات. إتاحة المنتجات في السحابة أو على البنية المحلية لا تغير جوهر التقنية بقدر ما تمنح المؤسسة حرية أكبر في اتخاذ القرار وفق متطلبات الأمن والتنظيم وطبيعة السوق. هذه المرونة تكتسب أهمية خاصة في السعودية، حيث تتزامن الاستثمارات الكبيرة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية مع اهتمام متزايد بمكان إقامة البيانات وكيفية التحكم فيها.
هل يمكن أن تبقى البيانات داخل المملكة؟
عند سؤالها عما إذا كان من الممكن أن يبقى سير العمل والبيانات بالكامل داخل بنية خاضعة للتحكم في السعودية، قالت جينر إن ذلك ممكن، لكن الإجابة تعتمد على طبيعة المؤسسة. شركة تعمل داخل المملكة فقط يمكنها الاحتفاظ بالبيانات محلياً، بينما قد تحتاج مؤسسة سعودية عالمية إلى التعامل مع بيانات موزعة في أسواق أخرى وربطها معاً لأغراض التحليل. هذا لا يفرض بالضرورة نقل جميع البيانات ذهاباً وإياباً إلى المملكة، بل يمكن أن تبقى البيانات حيث توجد بينما تتم عمليات التحليل والربط بطريقة تسمح للمؤسسة بالحصول على صورة موحدة. تصميم الحلول يهدف إلى إعطاء العميل «أفضل حرية اختيار» ممكنة.
مراقبة الوكلاء: منطقة النمو التالية
من بين جميع التقنيات التي عرضتها «سبلانك» في دنفر، ترى جينر أن «مراقبة الوكلاء» ستكون من أكثر المجالات أهمية للسوق السعودية خلال المرحلة المقبلة. السبب يعود إلى حجم التطوير الجاري في مجال الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات السعودية، وإلى اتساع استخدام الأنظمة الوكيلية التي لا تكتفي بتقديم توصية أو إجابة، بل يمكن أن تنفذ خطوات داخل الأنظمة. كل ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي الوكيلي، ومراقبة هؤلاء الوكلاء، وضمان أمنهم، والتأكد من أنهم يعملون بالطريقة المطلوبة، يمثل في رأيها أحد المجالات التي ستشهد أكبر نمو في المملكة. يتوافق هذا مع توجه «سبلانك» في مؤتمر «.conf26»، حيث ركزت الشركة على أدوات تراقب سلوك الوكلاء وتقيّم أفعالهم أثناء التشغيل، وليس فقط أداء التطبيقات والبنية التحتية.
البيانات كانت الأساس قبل الذكاء الاصطناعي
رغم أن الذكاء الاصطناعي يهيمن اليوم على النقاش، تقول جينر إن الطلب على تقنيات «سبلانك» في السعودية سبق هذه الموجة بسنوات. منتجات الشركة كانت مستخدمةً في المملكة قبل أن تبني «سبلانك» حضورها المحلي المباشر، خصوصاً بسبب الطلب على تحليل بيانات الأنظمة لاكتشاف التهديدات الأمنية. رؤية «سبلانك» لنفسها كمنصة تجمع بيانات الآلات وتحللها «لاقت صدى في المملكة أسرع من كثير من الأسواق الأخرى»، وهو ما تعتبره أحد الأسباب التي منحت الشركة قاعدة يمكن البناء عليها مع صعود الذكاء الاصطناعي. هذه المقارنة مهمة: السوق السعودية لم تبدأ علاقتها مع «سبلانك» من باب الذكاء الاصطناعي فقط، بل من الحاجة الأوسع إلى إدارة البيانات التشغيلية والأمنية، وهي الحاجة نفسها التي تتوسع الآن لتشمل الوكلاء والنماذج.
ما يعنيه ذلك للممارس في المنطقة
ما يبرز ليس حجم الاستثمار وحده، بل تغير نوع الأسئلة التي تطرحها المؤسسات السعودية. بدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن كيفية تجربة الذكاء الاصطناعي، أصبحت المؤسسات تبحث في مكان تشغيله، ومكان بقاء البيانات، وكيفية مراقبة الوكلاء، وما الذي يجب أن يبقى داخل البنية المحلية وما الذي يمكن نقله إلى السحابة. بالنسبة للممارس التقني وصانع القرار في الخليج، الرسالة واضحة: البنية التحتية السيادية، والقدرة على مراقبة الوكلاء، والمرونة في اختيار بيئة التشغيل، لم تعد خيارات تكميلية بل متطلبات أساسية لأي مشروع ذكاء اصطناعي يُراد له الاستمرار والتوسع في السوق السعودية.