تخطَّ إلى المحتوى

«هيوماين إم 3» على ركيزة صينية: كيف تعيد الصناديق السيادية الخليجية بناء طبقات الذكاء الاصطناعي الكاملة؟

شارك المقال
«هيوماين إم 3» على ركيزة صينية: كيف تعيد الصناديق السيادية الخليجية بناء طبقات الذكاء الاصطناعي الكاملة؟
الصورة: Brecht Corbeel / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

كشف إطلاق شركة «هيوماين»، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، لنموذج «هيوماين إم 3» بوصفه أول نموذج لغوي عربي كبير في تاريخ المملكة، عن تحول استراتيجي في إدارة ملف السيادة الرقمية وبناء القدرات الوطنية. فرغم أن الشركة تحظى بقيادة مباشرة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إلا أن الإعلان أوضح أن الركيزة الأساسية للنموذج تعتمد بالكامل على نموذج «ميني ماكس إم 3» مفتوح المصدر الذي طرحته شركة «ميني ماكس» الصينية في يونيو 2026. وتبرز هذه الخطوة واقعًا عمليًا مفاده أن النماذج الصينية المفتوحة أصبحت ممرًا تقنيًا رئيسيًا للدول الساعية إلى تقليص تكاليف التطوير التأسيسي واختصار سنوات البحث الطويلة.

الاستثمار السيادي في الذكاء الاصطناعي لم يعد تجارب متفرقة، بل تحول إلى بناء متكامل لكامل طبقات التقنية. تؤكد بيانات التقرير السنوي لمؤسسة «جلوبال إس دبليو إف» أن صناديق الثروة السيادية العالمية ضخت نحو 660 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية خلال العام الماضي، وكان نصيب الصناديق الخليجية في السعودية والإمارات وقطر والكويت نحو 43 بالمئة من هذا الإجمالي. ومع حلول عام 2026، ارتفع سقف الاستثمارات الفردية إلى مستويات غير مسبوقة؛ حيث أبرمت «هيوماين» اتفاقية تمويل إطارية بقيمة 12 مليار دولار مع صندوق البنية التحتية الوطني السعودي لتوسيع مراكز البيانات محليًا، وشاركت بثلاثة مليارات دولار في جولة التمويل الخامسة لشركة «إكس إيه آي»، ثم أعلنت خلال النسخة الخامسة من مؤتمر «ليب» عن اتفاقيات تعاون لمشاريع تتجاوز قيمتها 150 مليار دولار تغطي الطاقة النظيفة ومراكز المعالجة والعتاد وتطوير النماذج.

على الصعيد الإقليمي، يدير صندوق «إم جي إكس» في أبوظبي وتيرة استثمارية قياسية بعد أن أغلق صندوقه الأول عند 490 مليار دولار متجاوزًا هدفه المعلن، ليصبح من الكيانات الاستثمارية النادرة عالميًا التي تملك حصصًا متزامنة في ثلاثة عمالقة هم «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«إكس إيه آي». وفي قطر، أنشأ جهاز قطر للاستثمار شركة الذكاء الاصطناعي الوطنية «كيو إيه آي»، وأطلق منصة بنية تحتية بقيمة 200 مليار دولار بالشراكة مع «بروكفيلد»، في حين شاركت الهيئة العامة للاستثمار الكويتية بصفة شريك محدود في صناديق بنية تحتية مثل التحالف الذي يجمع «إم جي إكس» و«بلاك روك» و«مايكروسوفت» لاستهداف جمع 300 مليار دولار للحوسبة ومراكز البيانات.

الشركات الصينية باتت محطة رئيسية في استراتيجية الشراء الخليجية عبر الاستثمار المباشر ودعم الاكتتابات العامة. يتصدر هذا التوجه صندوق «بروسبيريتي 7» التابع لشركة أرامكو السعودية، الذي استثمر 213 مليون يوان في جولة الفئة الثالثة لشركة «جيبو إيه آي» في منتصف عام 2024، لترتفع قيمة الحصة بعد إدراج الشركة في البورصة إلى 4.3 مليار دولار هونغ كونغ (ما يعادل 3.7 مليار يوان) في سبتمبر 2026، محققًا ربحًا غير محقق يقارب 3.5 مليار يوان ويمثل نحو 17 ضعف رأس المال الأصلي. وتمتد محفظة الصندوق الصينية لتشمل شركة قواعد البيانات «زيليز»، وشركة رقائق الحوسبة الهجينة «لايتليجنس»، وشركات الروبوتات المجسدة مثل «ديكر روبوتيكس» و«تشيانشون إنتلجنس». كما شارك جهاز أبوظبي للاستثمار بمبلغ 65 مليون دولار كمستثمر رئيسي في الطرح العام لشركة «ميني ماكس»، في حين أبرمت شركات إماراتية وقطرية شراكات تمويلية وتشغيلية مع شركات صينية رائدة مثل «01.إيه آي» لتوطين حلولها في المنطقة.

تنبع هذه التحركات من خطط التحول الاقتصادي لمرحلة ما بعد النفط، إذ تستهدف رؤية السعودية 2030 مساهمة الذكاء الاصطناعي بأكثر من 12 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتطمح استراتيجية الإمارات لعام 2031 إلى بلوغ حصة 40 بالمئة، وتستهدف عمان رفع الاقتصاد الرقمي إلى 10 بالمئة بحلول 2040. وتستند المنطقة في تحقيق ذلك إلى وفرة الأراضي لإنشاء مراكز الحوسبة الفائقة، والموقع الجغرافي المتقاطع مع كابلات الألياف الضوئية البحرية الدولية، وانخفاض كلفة الطاقة؛ حيث تقل كلفة توليد الكهرباء في مشروع الشعيبة للطاقة الشمسية في السعودية عن سنت واحد لكل كيلوواط ساعة، أي جزء من عشرين مقارنة بمشروع محطة هنكلي بوينت سي النووية في بريطانيا. غير أن هذه الطموحات تواجه عقبات عملية تتمثل في استهلاك المياه لتبريد المراكز، والقيود الجيوسياسية على استيراد الرقائق، ومحدودية الكوادر المتخصصة محليًا.

ما الذي يتبدل عمليًا لمهندسي التقنية وقادة الفرق في الخليج ومصر والمشرق العربي؟ الاعتماد المؤسسي على أوزان صينية مفتوحة مثل «ميني ماكس إم 3» كأساس لبناء نماذج سيادية يغير بوصلة التطوير البرمجي في المنطقة. لن تعود الأولوية محصورة في دفع اشتراكات استهلاك واجهات البرمجة السحابية المغلقة للشركات الأمريكية، بل ستنتقل نحو بناء قدرات الهندسة الداخلية القادرة على استضافة النماذج مفتوحة المصدر، وتوزيع أحمالها، وتدريبها التكيفي على مجموعات بيانات محلية داخل مراكز بيانات إقليمية منخفضة كلفة الطاقة. خطوتك العملية كمهندس أو قائد تقني هي التحول من صياغة الأوامر السطحية إلى امتلاك مهارات الضبط الدقيق وضمان الخصوصية التشغيلية، مستفيدًا من البنى التحتية الوطنية الصاعدة لتقليل الاعتماد التقني الخارجي وخفض فاتورة التشغيل.

نرى في هيئة التحرير أن بناء النماذج اللغوية الوطنية عبر تخصيص البرمجيات مفتوحة المصدر يمثل مسارًا واقعيًا لتسريع السيادة التقنية، إذ يتيح للبلدان النامية تقنيًا كسب الوقت وتركيز الموارد الرأسمالية على امتلاك العتاد ومراكز الطاقة ومواقع التأثير في الشركات العالمية.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد