بناء مسارات التخارج في الخليج: صفقات ثانوية وتراخيص استشارية تمهد لاستدامة شركات الذكاء الاصطناعي
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
شهدت الأسواق الإقليمية في أسبوع واحد أربعة إعلانات استثمارية وتنظيمية متزامنة بين السعودية ومصر، ورغم أن أيًا منها لم يرفع لافتة الذكاء الاصطناعي صراحة، إلا أنها تصب مجتمعة في معالجة فجوة السيولة التي تحدد قدرة شركات التقنية الناشئة على البقاء بعد جولات التمويل الأولى. تمثلت هذه التحركات في تخارج جزئي لمدير صناديق سعودي، وإطلاق صندوق مخصص للصفقات الثانوية في الرياض، واستحواذ شركة استشارية مصرية على مدير استثمار مباشر، إلى جانب ترخيص تنظيمي لمنصة سعودية لترتيب صفقات الأسواق الخاصة.
على صعيد الصفقات، أعلنت «خوارزمي القابضة» تنفيذ تخارج جزئي من شركة الخدمات اللوجستية المصرية «بوسطة» بمضاعف صافٍ معلن يقارب ثلاث مرات، عبر مركز استثماري بني على ثلاث جولات بدأت من الجولة الاستثمارية الأولى. ويمثل هذا التخارج السادس لمحفظة الشركة بعد «تمارا» و«بوس روكت» و«فاتورة» و«ميلتو» و«قوافل»، حيث أعادت الشركة رأس المال لمستثمري صندوقها الأول مرتين في أقل من خمس سنوات، دون الإفصاح عن المشتري أو القيمة الإجمالية للصفقة أو الحصة المباعة والمتبقية. بالتوازي مع ذلك، أطلقت شركة «بيناكل» التابعة لشبكة «وتر بارتنرز» صندوقًا سعوديًا يستثمر عبر الجولات الأولية والصفقات الثانوية، مستندة إلى وجود قاعدة متنامية من الشركات الناضجة والمربحة في المملكة مقابل ضيق مسارات التخارج مقارنة بالأسواق المتقدمة، ما يولد فجوة بين نضج البيئة الريادية وبنيتها التحتية للسيولة.
وفي القاهرة، وقعت منصة «إكزتس مينا» صفقة بملايين الدولارات للاستحواذ على «أفانز كابيتال مصر» بالتعاون مع إدارتها المحلية، بعد نيل موافقة مبدئية من الهيئة العامة للرقابة المالية، ليعاد تسميتها إلى «إكزتس منارة» مع استمرار صندوق الصناديق القائم والتخطيط لإطلاق صندوق ثانٍ يستهدف المصدرين المصريين متوسطي الحجم. واستندت الشركة إلى بيانات البنك الدولي التي توضح أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المنطقة لا تنال سوى أقل من عُشر الائتمان المصرفي الإجمالي، مقارنة بأكثر من خمس الائتمان في الاقتصادات مرتفعة الدخل، في ظل فجوة تمويلية إقليمية تقدر بنحو 123 مليار دولار بحسب تقديرات «سيجاب»، ما يجعل الاعتماد على الإقراض البنكي مستحيلاً لشركات البرمجيات التي تفتقر للأصول العينية الضامنة.
بنية التمويل الحالية تضع شركات الذكاء الاصطناعي التطبيقي أمام معضلة النمو الطويل وارتفاع تكاليف الحوسبة. فهذه الشركات تبني نماذجها لسنوات قبل تحقيق إيرادات ملموسة، وتتحمل فواتير استئجار ومعالجة بيانات ترتفع مع طموح التوسع، بينما تعتمد عوائدها على دورات مشتريات حكومية بطيئة. وفي حين تستحوذ المبادرات السيادية والشركات الوطنية الكبرى على التمويلات الضخمة المباشرة، تظل الشريحة الوسيطة من شركات الذكاء الاصطناعي، التي تطور أدوات المعالجة العربية وتدقيق الوثائق ونماذج تقييم المخاطر للبنوك والمستشفيات والوزارات، أكبر من رأس المال التأسيسي وأصغر من الاهتمام السيادي المباشر.
إن تفعيل الصفقات الثانوية يتيح تسعير الشركات دون إلزامها ببيع كامل أو طرح عام مبكر. وتسهم هذه الآلية في تفعيل خيارات الأسهم للموظفين لاستقطاب كفاءات التعلم الآلي والاحتفاظ بها محليًا بدلاً من خسارتها لصالح أسواق خارجية، كما تتيح لمديري الصناديق إثبات التوزيعات النقدية الفعلية بدلاً من التقييمات الدفترية، وتمنح المكاتب العائلية حافزًا للالتزام بأدوات استثمارية تمتد لعشر سنوات. وفي هذا السياق، نالت منصة «أوري» في الرياض ترخيصًا من هيئة السوق المالية لممارسة أنشطة الترتيب وتقديم المشورة، لتمكين المستثمرين المؤهلين من الوصول النظامي إلى صفقات متوافقة مع الشريعة في الأسواق الخاصة من المراحل المبكرة حتى ما قبل الإدراج.
إرساء شبكة السيولة يواجه تحديات ترتبط بضعف الإفصاح ومخاطر تسعير الصفقات بخصومات حادة. فالصفقات المعلنة تتسم بضبابية الأرقام، كغياب حجم صندوق «بيناكل» وسجل إنجازه، وغياب التقييمات التفصيلية لحصة «بوسطة»، فضلاً عن ضرورة التدقيق التنظيمي للفصل بين المهام الاستشارية والقرارات الاستثمارية في دمج «إكزتس». كما تبرز مخاطر تسعير الصفقات الثانوية المبكرة بأقل من جولات التمويل السابقة، مما قد يضغط على تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي التي تأسست في ذروة التفاؤل بتكاليف الحوسبة. غير أن ترميم هذه الشبكة المالية يظل الشرط الأساسي لدعم استيعاب ما يقارب 300 مليون شاب متوقع دخولهم سوق العمل في المنطقة بحلول عام 2050.