«إندافا»: جمود نماذج الاستشارات والتعاقد التقليدية يعرقل استدامة مشاريع الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
تكشف التحليلات الميدانية لمشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي على مدى العامين الماضيين أن الأغلبية الساحقة من المبادرات لا تزال عالقة في مرحلة التجارب الأولية، دون أن تنجح في التحول إلى حلول إنتاجية واسعة النطاق. ورغم أن النقاشات السائدة تميل إلى إرجاع هذا التعثر إلى مشكلات تقنية أو تنظيمية، مثل ضعف جودة البيانات، أو نقص الكفاءات، أو غياب أطر الحوكمة الناضجة، فإن الجانب الأقل بحثاً يتعلق بآليات الشراء ونماذج الاستشارات والتعاقدات التجارية التي طالما اعتمدت عليها المؤسسات لعقود طويلة في مشروعات التحول الرقمي التقليدية.
تسارع إقليمي ونماذج شراء تقليدية
تكتسب هذه الإشكالية حساسية مضاعفة في منطقة الشرق الأوسط في ظل الطفرة المتسارعة التي تقودها المبادرات الحكومية لتبني الذكاء الاصطناعي. ففي حين وجهت دولة الإمارات جهاتها الاتحادية بنشر خدمات معتمدة على الذكاء الاصطناعي في غضون 90 يوماً، وتواصل المملكة العربية السعودية ضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية والقدرات السيادية عبر مبادرات مثل «هيومين» (HUMAIN)، لا تزال العديد من المؤسسات تتعامل مع شراء مشاريع الذكاء الاصطناعي كأنها برامج تحول كلاسيكية ذات متطلبات ثابتة، ومحطات تسليم متوقعة سلفاً، ونقاط وصول نهائية ومحددة مسبقاً.
يرى زين الحق، رئيس منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في شركة الاستشارات والتحول الرقمي «إندافا»، أن طبيعة الذكاء الاصطناعي تكسر القواعد المألوفة لإدارة المشروعات. فالنماذج تتطور وتتحسن بوتيرة سريعة بعد دخولها حيز التنفيذ، واللوائح التنظيمية ومتطلبات توطين البيانات تتغير باستمرار، فضلاً عن أن تفاعل الموظفين العملي مع الأدوات يكشف عن تحديات وفرص لا يمكن التنبؤ بها إلا بعد الاستخدام اليومي الفعلي. ومن هنا، يتحول الذكاء الاصطناعي من نظام تقني ثابت يُسلّم لمرة واحدة إلى قدرة تشغيلية مستمرة تتطلب صقلاً وتطويراً متواصلين، مما يجعل اشتراط اليقين الكامل عقبة أمام نجاح التنفيذ.
إعادة هندسة العقود وتقاسم المخاطر
يفرض هذا التحول إعادة النظر في طريقة تمويل المشاريع وحوكمتها وقياس أثرها. فالنماذج الاستشارية القديمة بُنيت على مبدأ إزالة الشكوك قبل بدء التنفيذ وربط العوائد بإنجاز مراحل محددة، وهو نهج يفقد جدواه حين تكون الوجهة التقنية ذاتها في حالة تغير دائم، كما يتجلى في التتابع السريع لأجيال نماذج «فالكون» في أبوظبي. والبديل العملي يتمثل في هيكلة المشروعات على مراحل متتالية؛ بحيث تقوم كل مرحلة بالتحقق من الفرضيات، وتقديم قيمة تجارية ملموسة، وتحديد الخطوات التالية، مع ربط المكافآت المالية بالنتائج المحققة بدلاً من مجرد إكمال المهام الإجرائية.
يؤدي تقاسم المخاطر والمسؤولية بين المؤسسة والجهة الاستشارية إلى تحول في السلوك الإداري وصنع القرار، إذ يمنح الطرفين حافزاً لمراجعة الأولويات وتعديل المسارات وتوجيه الاستثمارات نحو المجالات التي تثبت جدواها فعلياً. وتصبح الشراكة الاستشارية بذلك إطاراً مرناً يدعم استدامة التقدم والتكيف المستمر مع المتغيرات، بدلاً من التمسك بنطاقات عمل عريضة وضعت قبل بدء التعلم الواقعي من بيئة العمل.