انتقال حوكمة الذكاء الاصطناعي من سلوك النماذج إلى تأمين المنظومات: الأسبقية العسكرية تُعطل كوابح الأمان
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
افتتح الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الحوار العالمي الأول حول حوكمة الذكاء الاصطناعي بحضور ممثلي 193 دولة عضو، محذراً من أن الجيل الحالي قد يكون الأخير القادر على تحديد شروط التعايش بين البشر والآلات قبل أن يُغلق هذا الباب سريعاً. تركزت النقاشات متعددة الأطراف داخل أروقة المؤتمر على المبادئ المعيارية التي أرستها قمة بلتشلي بارك لسلامة الذكاء الاصطناعي عام 2023، وفي مقدمتها الأمان، والموثوقية، والمساءلة، والشفافية، وحقوق الإنسان، وقابلية التشغيل البيني. غير أن هذا الخطاب الدبلوماسي ينفصل تماماً عن واقع التحولات الميدانية؛ إذ انتقل تركيز القوى التكنولوجية الكبرى بصورة جذرية من تنظيم سلوك النماذج البرمجية وتأثيراتها المجتمعية إلى الهيمنة على منظومات البنية التحتية المادية التي تجعل تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة ممكناً.
تتجه بوصلة الحوكمة العالمية اليوم نحو إحكام السيطرة على سلاسل أشباه الموصلات، ومحطات توليد الطاقة الكهربائية، ومراكز البيانات فائقة النطاق، والبنية السحابية، واستقطاب المواهب، وصولاً إلى التكامل العسكري الذي بات يتصدر الأولويات. لم يعد التفوق يقاس بمدى انضباط مخرجات النموذج، بل بالقدرة على توظيف التقنية لتوفير ميزة حاسمة في ميادين الدفاع عبر الاستهداف فائق السرعة، والأنظمة المستقلة، والتحليل الاستخباراتي اللحظي. يعكس هذا المسار تبدلاً شاملاً في سياسات عمالقة وادي السيليكون؛ فبعدما رفضت غوغل عام 2018 تجديد عقد مشروع «ميفن» مع البنتاغون إثر احتجاجات حاشدة من موظفيها ضد تسخير التقنية للحروب، أبرمت وزارة الدفاع الأمريكية مؤخراً اتفاقات نهائية مع ثماني شركات رائدة ضمت أوبن إيه آي، وسبيس إكس، وإنفيديا، ورفلكشن، وغوغل، وأوراكل، ومايكروسوفت، وأمازون ويب سيرفيسز، تخول الجيش نشر تقنياتها لأي استخدام عملياتي قانوني.
المنافسة الجيوسياسية والتجارية أثبتت قدرتها على إزاحة كوابح الأمان والاعتبارات الأخلاقية لصالح حماية التموضع في السوق. برز هذا الواقع بوضوح حين استبعدت الإدارة الأمريكية شركة أنثروبيك من تلك المنظومة إثر رفضها إدراج بند الاستخدام القانوني بدافع مخاوفها من تسخير نماذجها في المراقبة الجماعية المحلية وتطوير أسلحة فتاكة ذاتية التشغيل بالكامل؛ لتواجه الشركة تصنيفاً حكومياً بوصفها خطراً على سلاسل التوريد مع توجيه الهيئات الفيدرالية بالتخلص التدريجي من أدواتها. وفي أوروبا، لم تصمد صرامة التحوط طويلاً؛ فرغم أن قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي كان الإطار التشريعي الملزم الأول عالمياً، اعتمدت المفوضية الأوروبية تعديلات عبر حزمة القانون الرقمي الشامل لتأجيل عدة التزامات ومتطلبات امتثال مفروضة على الأنظمة عالية المخاطر استجابة لمطالب الصناعة وصناع القرار بتعزيز القدرة التنافسية أمام التسارع العالمي الحاد.
يتجلى هذا السباق في سباق ضخم لبناء القدرات السيادية، حيث يدعم صندوق الاستثمارات العامة السعودي شركة «هيومان» المملوكة للدولة بهدف بناء بنية تحتية بقيمة 77 مليار دولار ومراكز بيانات بقدرة 1.9 غيغاوات بحلول عام 2030، بينما تستهدف مبادرة «ستارغيت» في الإمارات حيازة قدرة حوسبة سيادية تبلغ خمسة غيغاوات، مدعومة باستثمارات إماراتية تقارب 148 مليار دولار في قطاع الذكاء الاصطناعي محلياً ودولياً، وشراكة مع فرنسا لمراكز بيانات تتراوح استثماراتها بين 30 و50 مليار يورو. وفي السياق ذاته، تعمل الهند على توسيع رصيدها الحكومي من معالجات الرسوميات من 38 ألف وحدة إلى 100 ألف وحدة بنهاية عام 2026. وتكشف هذه التحركات عن تركيز أكثر من 90 في المئة من قدرات الحوسبة المتقدمة المتخصصة عالمياً في يد الولايات المتحدة والصين بحلول عام 2025، في حين أظهر تقرير جمعية مراكز البيانات الأفريقية لعام 2026 أن حصة القارة لم تتجاوز واحداً في المئة من السعة العالمية رغم سرعة تبني التقنيات الرقمية، ما يكرس فجوة القدرات ويزيد ارتهان بلدان الجنوب لمنصات السحابة الأجنبية واستنزاف كوادرها البشرية المؤهلة.
هذا التحول الجذري نحو حوكمة البنية التحتية يعيد رسم الأولويات التشغيلية والاستراتيجية للمؤسسات التقنية وصناع القرار في المنطقة. في الخليج، يفرض التحول نحو مراكز البيانات الضخمة وشبكات الكهرباء المخصصة للحوسبة إعادة ترتيب أولويات الإنفاق؛ فإن كنت تقود فريقاً تقنياً أو تدير بنية مؤسسية، فعليك مواءمة استراتيجياتك مع السحابات السيادية المحلية التي تراعي قيود استهلاك الطاقة وتوفر المعالجات المرخصة بدلاً من الاعتماد العشوائي على استدعاءات واجهات البرمجة الخارجية. أما في مصر وبلاد الشام، حيث يندر الوصول إلى البنى التحتية فائقة الحوسبة وتشتد أعباء كلفة الاستدلال السحابي، فإن التحدي الفعلي يدفع المطورين والشركات نحو التركيز على النماذج الخفيفة المضغوطة والمعماريات مفتوحة المصدر، مع السعي لمقاومة هجرة العقول الهندسية نحو المراكز الإقليمية والدولية الممولة بسخاء. ومع تراجع المعايير التنظيمية الصارمة عالمياً لصالح الأسبقية التنافسية والعملياتية، تصبح السيادة الرقمية خاضعة لامتلاك مقومات الحوسبة الفيزيائية محلياً أكثر من مجرد الانخراط في توقيع إعلانات ومواثيق نظرية للأمان.