مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تصطدم بحسابات التبريد: لماذا تعجز المفاعلات النووية عن إنقاذ شبكات الطاقة وحدها؟
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
تتجه كبرى شركات التقنية والحكومات حول العالم نحو الطاقة النووية بحثًا عن إمدادات كهربائية ضخمة ومستمرة لتغذية مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، غير أن هذه الرهانات تصطدم بمتغيرات مناخية واقتصادية تعيد رسم حدود الاعتماد على المفاعلات. فالطاقة النووية، التي يجري الترويج لها كركيزة خالية من الانبعاثات الكربونية المباشرة وقادرة على العمل على مدار الساعة، تجد نفسها في مواجهة قيود بيئية ترتبط مباشرة بفيزياء تشغيلها، إذ تحتاج المفاعلات إلى كميات هائلة من مياه الأنهار للتبريد والتخلص من الحرارة الناتجة عن توليد الكهرباء.
أظهرت موجات الحر والجفاف الأخيرة في أوروبا هشاشة هذا النموذج التشغيلي، حيث اضطرت مفاعلات في ستة مواقع إلى خفض إنتاجها أو الإغلاق المؤقت. وكانت فرنسا المتضرر الأكبر بعد تراجع توليدها النووي بنسب وصلت إلى 20 في المئة في ذروة الاضطرابات، ما أفقد الشبكة قرابة 1.7 غيغاوات في أواخر يوليو وأوائل أغسطس وأسهم في رفع أسعار الكهرباء. وتكرر المشهد في وسط وشرق أوروبا مع انخفاض منسوب نهر الدانوب إلى مستويات تاريخية، ما أدى إلى إيقاف الوحدة الثالثة في محطة «باكس» في المجر، وفصل وحدة في محطة «تشيرنافودا» في رومانيا، فضلًا عن تأثر منشأة «بيزناو» في سويسرا، وهي أقدم محطة نووية عاملة في العالم.
تعود هذه التوقفات إلى لوائح بيئية صارمة تمنع تصريف المياه الساخنة في الأنهار عند ارتفاع درجات حرارتها وانخفاض مناسيبها حماية للأنظمة البيئية المائية، وهو ما يجبر المحطات على تقليص طاقتها في التوقيت الذي يبلغ فيه الطلب على الكهرباء ذروته بفعل التكييف وتشغيل البنية الحوسبية. ومع أن الاعتماد الأوروبي على الطاقة النووية تراجع من نحو ثلث إجمالي التوليد في عام 1990 إلى ما يقارب 15 في المئة حاليًا، فإن مساعي إحيائها تتسارع في إيطاليا وبلجيكا والسويد والمملكة المتحدة، إلى جانب نقاشات حول تصاميم متقدمة في اليونان، مدفوعة بالطلب المتصاعد من قطاع الذكاء الاصطناعي.
الزمن والتكلفة يفرضان واقعًا مختلفًا أمام طموحات التوسع السريع. يستغرق بناء محطة نووية جديدة نحو 14 عامًا ونصف في المتوسط من التخطيط إلى التشغيل التجاري، كما حدث في مفاعل «أولكيلوتو 3» الفنلندي الذي اقتُرح عام 2000 ولم يبدأ تشغيله التجاري إلا في عام 2023 بعد تأخيرات وتكاليف مضاعفة. وعلى النقيض من ذلك، تدخل مشاريع طاقة الرياح والطاقة الشمسية الخدمة خلال أشهر أو بضع سنوات. وتؤكد بيانات التكلفة المستوية للكهرباء الصادرة عن «لازارد» في عام 2018 هذا التفاوت، حيث بلغت تكلفة الميغاوات/ساعة من المحطات النووية الجديدة نحو 155 دولارًا، مقابل 43 دولارًا للرياح البرية و41 دولارًا للطاقة الشمسية على مستوى المرافق.
تتعقد حسابات الطاقة النووية أيضًا بملف النفايات المشعة طويلة الأجل التي تتطلب مئات الملايين من الدولارات سنويًا لإدارتها، في ظل ندرة المستودعات الجيولوجية العميقة الدائمة باستثناء مشاريع محدودة مثل مستودع «أونکالو» في فنلندا. ورغم أن قطاع الطاقة يطرح المفاعلات المعيارية الصغيرة كحل أسرع في البناء وأقل كلفة لخدمة مراكز البيانات، فإن معظم هذه التصاميم لم يثبت جدواه على نطاق تجاري واسع في الغرب، بل إن دراسة أجرتها الباحثة ليندسي كرال وزملاؤها في جامعة ستانفورد ونُشرت عام 2022 في مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم أظهرت أن بعض تصاميم المفاعلات المعيارية قد تنتج نفايات مشعة لكل وحدة طاقة أكثر من المفاعلات التقليدية بسبب تسرب النيوترونات. وجاء إلغاء مشروع شركة «نيوسكيل» في ولاية أيداهو في نوفمبر 2023 بعد ارتفاع التكلفة التقديرية للكهرباء من 58 إلى 89 دولارًا لكل ميغاوات/ساعة ليؤكد اتساع الفجوة بين الوعود النظرية والتطبيق العملي، مما يجعل الاعتماد على الطاقة النووية بمفردها كحل فوري لأزمة طاقة الذكاء الاصطناعي رهانًا غير مكتمل يتطلب تنويع مصادر الإمداد بدل تعليق الآمال على مسار أحادي.