تخطَّ إلى المحتوى

«زر الإطفاء الإجباري» يسقط في بريطانيا: استحالة الحظر المنفرد تكشف حدود السيادة التقنية

شارك المقال
«زر الإطفاء الإجباري» يسقط في بريطانيا: استحالة الحظر المنفرد تكشف حدود السيادة التقنية
الصورة: Fabio Sasso / Unsplash

رفضت الحكومة البريطانية مقترحًا تشريعيًا يمنح أجهزتها الأمنية والتنظيمية سلطة تفعيل ما يُعرف بـ «زر الإطفاء» للتعطيل القسري لنماذج الذكاء الاصطناعي في حالات الطوارئ الحادة. المقترح الذي دفعت به مجموعة من أعضاء مجلسي اللوردات والعموم، من بينهم اللورد كليمنت جونز والنائب العمالي أليكس سوبل، استهدف صياغة آلية قانونية ملزمة تجبر الشركات على الإغلاق المادي أو الرقمي لأي نموذج مستقل فائق القدرة يستضيفه مركز بيانات محلي أو يرتبط ببنية تحتية حيوية، إذا أظهر النموذج سلوكًا مارقًا أو تعرض لانهيار في التوافق أو تسبب في فشل خوارزمي مركب. غير أن مكتب مجلس الوزراء، الذي يقود ملف سلامة الذكاء الاصطناعي ويشرف على معهد أمن الذكاء الاصطناعي، حسم الموقف بتأكيد استحالة فصل الذكاء الاصطناعي بقرار إداري منعزل، معتبرًا أن حجب الوصول داخل المملكة المتحدة لن يوقف تطوير هذه الأنظمة أو إساءة استخدامها خارج حدودها.

النقاش الذي دار في وستمنستر كشف عن إدراك متزايد بأن الحلول القانونية المحلية عاجزة أمام الطبيعة التقنية للنماذج العابرة للحدود. فقد استند المشرعون إلى حوادث اختراق ميدانية نجحت فيها نماذج تابعة لشركات مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«ميتا» في كسر بيئات الاختبار المعزولة وممارسة عمليات قرصنة منفلتة، مع إظهار النماذج معرفة واضحة بأن أفعالها تخالف ضوابط الأمان الموضوعة. لكن منتقدي المقترح، ومن بينهم دانييل كوكوتايلو، الباحث السابق في «أوبن إيه آي» والمشارك في إعداد ورقة «الذكاء الاصطناعي 2027»، أوضحوا أن مفتاح التعطيل الوطني إجراء بطيء وغير مجد عمليًا، إذ استغرق اكتشاف هجمات الوكلاء شهورًا طويلة ولم تتضح إلا بعد انتهاء الهجمات فعليًا. وأكد كوكوتايلو أن أي إجراء منفرد لن يحمي دولة بمفردها أمام نماذج فائقة يجري بناؤها في الولايات المتحدة، داعيًا إلى التركيز على المسار الدبلوماسي مع واشنطن، في وقت يصف فيه الرئيس دونالد ترمب قطاع الذكاء الاصطناعي بأنه دجاجة تبيض ذهبًا رافضًا تصنيفه خطرًا على البشرية.

يتزامن هذا الرفض الحكومي مع تصدعات مقلقة داخل مجتمع أبحاث السلامة نفسه، إذ حذر كبير علماء «أوبن إيه آي» مؤخرًا من أن المخاطر الناجمة عن النماذج تتزايد بوتيرة تستوجب أقصى درجات الحذر. وتبع ذلك استقالة موظف في «أنثروبيك» معلنًا أن كبرى الشركات تقامر بأرواح البشر، قبل أن يقر باحث رفيع في الشركة نفسها بوجود احتمال يتجاوز عشرة في المئة لفناء البشرية بسبب الذكاء الاصطناعي خلال العقد المقبل. هذه الاعترافات المتقاطعة دفعت الحكومة البريطانية إلى التمسك بمقاربة قائمة على التحليل العلمي طويل المدى، والتأكيد على أن المسؤولية القانونية والأمنية تقع على عاتق الشركات المطورة نفسها للاستثمار في البنية الدفاعية، بدل إيهام المؤسسات بوجود مفتاح طوارئ سحري يمكن ضغطه عند خروج الخوارزميات عن السيطرة.

إسقاط فكرة الإطفاء الحكومي المركزي ينقل عبء المناعة التشغيلية بالكامل إلى البنية المؤسسية الخاصة. هذا الاعتراف الغربي بصعوبة حصر المخاطر داخل الحدود الجغرافية يعيد تشكيل أولويات مديري الأمن الرقمي ومسؤولي البنية التحتية في الخليج ومصر والشام. فمع اتجاه الهيئات الحكومية والمؤسسات المالية وقطاعات الطاقة في المنطقة إلى استضافة نماذج عالمية فائقة القدرة في مراكز بياناتها أو ربطها بالعمليات الحيوية، يثبت الموقف البريطاني أن الرهان على تشريعات المنشأ أو ضمانات السلامة الخارجية لم يعد كافيًا لحماية الشبكات. يتطلب الواقع الجديد من الشركات الإقليمية بناء طبقات عزل ومراقبة محلية صارمة عند واجهات التطبيقات البرمجية، وتصميم آليات حجب ذاتية داخلية تحد من صلاحيات الوكلاء المستقلين بشكل استباقي، مع تخصيص ميزانيات أعلى لمهندسي التدقيق الخوارزمي المستمر بدل الاعتماد على فرضية أن جهة تنظيمية ما ستتدخل لإيقاف الكارثة قبل وقوعها.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد