انكسار قواعد الاستثمار المبكر: صندوق بنشمارك الجديد يعكس تركز 73 بالمئة من تمويل الذكاء الاصطناعي في الصفقات الكبرى
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
أجرت شركة رأس المال الجريء الأمريكية «بنشمارك» أحد أكبر التحولات في نموذج عملها التاريخي القائم على الاستثمار المبكر والمكثف، عبر جمع نحو ملياري دولار موزعة بين صندوقها الرئيسي بقيمة 750 مليون دولار وصندوق نمو جديد بقيمة 1.25 مليار دولار. يعكس هذا التغير تحولاً عميقاً في بنية التمويل العالمية التي أعاد الذكاء الاصطناعي رسم ملامحها بوتيرة متسارعة، حيث لم يعد نهج التمويل التقليدي كافياً لمواكبة متطلبات السوق الجديدة.
تكشف بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) عن حجم هذا الاستقطاب، إذ استحوذت شركات الذكاء الاصطناعي على 61 بالمئة من إجمالي استثمارات رأس المال الجريء عالمياً خلال عام 2025، بما يعادل 258.7 مليار دولار من أصل 427.1 مليار دولار جرى استثمارها عالمياً. غير أن تلك السيولة لم تكن موزعة بالتساوي بأي شكل، حيث مثلت الصفقات التي تتجاوز قيمتها 100 مليون دولار نحو 73 بالمئة من إجمالي قيمة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي. يضع هذا الواقع رواد الأعمال أمام مفارقة معقدة: السيولة النقدية وفيرة في المجمل، لكن قناعة المستثمرين أصبحت نادرة ومحصورة في عدد محدود جداً من الشركات التي يرى المستثمرون أنها قادرة على قيادة فئاتها السوقية بالكامل.
تآكل الحصانة البرمجية وتزاحم طبقة التطبيقات يفرضان أسئلة حاسمة حول مستقبل الشركات الناشئة، فمع قدرة المؤسسين على بناء المنتجات بسرعة غير مسبوقة بفضل الأدوات المؤتمتة، لم يعد إطلاق البرمجيات في حد ذاته معياراً للجاذبية الاستثمارية. يدور التساؤل بين كبار المستثمرين حول ما إذا كانت الشركة المليارية القادمة ستأتي من طبقة التطبيقات المزدحمة، أم أن الحصانة الحقيقية باتت محصورة في البنية التحتية، أو النماذج الأساسية، أو البيانات المملوكة حصرياً، أو شبكات التوزيع. يعكس فريق «بنشمارك»، الذي يضم جاك ألتمان وبيتر فينتون وتشيتان بوتاغونتا وإيفريت راندل وإريك فيشريا، هذا التباين، بمزيج من الخبرات في تأسيس الشركات ودعم برمجيات المشاريع واستثمارات البنية التحتية في نماذج مثل «أنثروبيك» و«سيريبراس سيستمز» و«فايرووركس إيه آي».
وتوضح تجربة الاستثمار في شركة رقائق الذكاء الاصطناعي «سيريبراس سيستمز» طبيعة هذه الرهانات غير المتوافقة مع الإجماع السائد، إذ تردد الشريك إريك فيشريا في بادئ الأمر عام 2016 في عقد أول لقاء مع الشركة لأن عتاد الحوسبة كان يقع خارج النطاق الاستثماري المعتاد لصندوقه، وبدا المشروع شديد الصعوبة. لكن هذا التردد تحول خلال العرض التقديمي إلى قرار استثماري قادت بموجبه «بنشمارك» جولة التمويل الأولى من الفئة «أ» بقيمة 25 مليون دولار، وصولاً إلى الطرح العام للشركة مع احتفاظ الصندوق بحصة بلغت 9.5 بالمئة عند الاكتتاب، مما يؤكد أن الفرص الأكثر استدامة نادراً ما تأتي في صورة صفقات واضحة أو مقبولة بالإجماع منذ اللحظة الأولى.
ما الذي يعنيه هذا الاستقطاب للشركات التقنية في الخليج ومصر والمشرق العربي؟ بصفتي متابعة لحركة رؤوس الأموال، أرى أن تركز 73 بالمئة من تمويلات الذكاء الاصطناعي في صفقات ضخمة تتجاوز مئة مليون دولار يحمل رسالة مباشرة للمؤسس في منطقتنا: السباق لم يعد على السرعة المجردة في تطوير واجهات برمجية أو إعادة تغليف نماذج عالمية جاهزة، لأن هذا المسار بات مزدحماً وشديد الهشاشة. إذا كنت تبني شركة ناشئة في الرياض أو دبي أو القاهرة، فإن خطوتك الأساسية لجذب رأس المال تتطلب بناء دفاعات هيكلية لا يمكن استنساخها بسهولة، وتحديداً عبر التحكم في بيانات محلية غير متاحة للمنافسين، أو الاندماج العميق في سلاسل الإمداد والأنظمة التشغيلية للشركات الكبرى، أو امتلاك شبكة توزيع محلية معقدة يصعب اختراقها.
إن إعادة صياغة كبرى الصناديق لدفاتر استثماراتها تؤكد أن رأس المال العالمي يبتعد تدريجياً عن الرهانات الاستهلاكية السطحية، ويتجه نحو دعم الأصول التقنية الراسخة. لم يعد التحدي أمام الشركات الناشئة هو إثبات القدرة على البرمجة أو إطلاق واجهة تفاعلية، بل إثبات الجدوى الاقتصادية وقدرة النموذج على البقاء في بيئة استثمارية تشهد أعلى مستويات التدقيق والفرز.