بيانات قادة التقنية المفتوحة تتسابق لصياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي وسط مخاوف الوظائف والأمان
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
نشر مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، رسالة مفتوحة ومطولة بلغت 6500 كلمة تحت عنوان «المستقبل للجميع»، في خطوة تمثل أحدث حلقة ضمن سلسلة من البيانات الفكرية التي يطلقها كبار التنفيذيين في وادي السيليكون لترسيخ رؤيتهم حول الذكاء الاصطناعي، وتأكيد موقعه كإحدى أهم التقنيات في التاريخ البشري. وبينما يرى البعض في هذه الوثيقة تعبيراً عن التفاؤل بوعود التكنولوجيا، يعتبرها آخرون تمريناً في العلاقات العامة لصرف الأنظار عن التحديات المتزايدة.
لم تبدأ هذه الظاهرة مع زوكربيرغ وحده، بل تعود جذورها الحديثة إلى مقال مارك أندريسن عام 2023 بعنوان «بيان التفاؤل التقني»، الذي امتد على 5000 كلمة ودافع فيه عن النمو والابتكار كوسيلة لحل مشكلات الحياة، داعياً إلى مواجهة ما وصفه بالأكاذيب المتداولة حول التراجع التقني. وتوالت بعد ذلك رسائل الرؤساء التنفيذيين، إذ أطلق سام ألتمان، رئيس شركة «أوبن إيه آي»، بياناً في عام 2024 بعنوان «عصر الذكاء»، عبّر فيه عن تفاؤل واسع بتسارع التقدم البشري مؤكداً ضرورة التصرف بحكمة واقتناع. وفي العام ذاته، طرح داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، بياناً بعنوان «آلات النعمة المحبة» لاستعراض المزايا المحتملة للتقنية في مجالات شتى تمتد من الرعاية الصحية إلى السياسة، متجنباً تصنيفه ضمن المروجين لنهاية العالم التقنية.
تأتي رسالة زوكربيرغ في سياق يتقاطع مع تحذيرات دولية واضحة، إذ ينتقد الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» الخطاب الممتلئ بالتشاؤم حول الذكاء الاصطناعي ويبدي دهشته ممن يعتقدون أن التقنية ستقضي على معظم الوظائف، متوقعاً وفرة في فرص العمل المستقبلية. ويتعارض هذا التوجه مع تحذيرات صندوق النقد الدولي الذي أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على قرابة 40% من الوظائف ويفاقم عدم المساواة المالية العالمية. كما تتزامن هذه الرؤية المتفائلة مع قيام «ميتا» نفسها بخفض 10% من قوتها العاملة العالمية، أي ما يقارب 8000 وظيفة، في إطار إعادة تنظيم هيكلها للتركيز على استثمارات الذكاء الاصطناعي.
تمثل استراتيجية المصادر المفتوحة محوراً جوهرياً في بيان زوكربيرغ الأخير، حيث أعلن خططاً لمشاركة أدوات الذكاء الاصطناعي بتصاميمها وبرمجياتها علناً، بما يتيح للجميع الاطلاع عليها واستخدامها وتعديلها. وتكتسب هذه الخطوة زخماً واسعاً في ظل منافسة شرسة تهيمن عليها نماذج صينية مفتوحة مثل «كوين» و«ديب سيك» و«جي إل إم»، إلى جانب حضور نماذج غربية مثل عائلة «جيما» من غوغل وأدوات «ميسترال إيه آي». غير أن التوسع في إتاحة هذه النماذج يثير تساؤلات أمنية يطرحها مراقبون مثل المدون الاقتصادي نوح سميث، لا سيما بعد حوادث اختراق طالت مواقع إلكترونية مؤخراً عبر نماذج قوية خرجت عن السيطرة، مما يفرض نقاشاً حول حدود فتح المصادر للأدوات التي قد تحمل مخاطر جسيمة.
من جهته، يوضح روب لالكا، أستاذ إدارة الأعمال في جامعة تولين، أن تكرار هذه البيانات المؤسسية يمنح التنفيذيين منصة للظهور بدور «رجل الأعمال الفيلسوف» لترسيخ مواقعهم في سوق الأفكار وإثبات تميزهم، محاولين إقناع الجمهور بأن الإيجابيات ستفوق السلبيات التي تثير غضب المجتمعات حيال تأثيرات التقنية على البيئة وسوق العمل، وإن كانت أسباب التفاؤل الحقيقية لا تزال قيد الاختبار أمام الرأي العام.