تسويق أتمتة الروابط الإنسانية يصطدم بفتور المستهلكين: وادي السيليكون يواجه مأزق الاغتراب تحت رقابة وول ستريت
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
تصريحات متتالية لقادة التكنولوجيا في وادي السيليكون تكشف هوة متسعة بين النخبة الهندسية والمستهلك العادي. بعد حديث ماريسا ماير، الرئيسة التنفيذية لشركة «دازل إيه آي»، عن استعانتها بأداة ذكاء اصطناعي للمساعدة في كتابة وصف مدرسي لابنتها، واقتراحها تنسيق تفاصيل الحياة اليومية بين وكيلها الذكي ووكيل زوجها، انضمت تصريحاتها إلى سلسلة مواقف أثارت استغراب المتابعين. سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، كان قد اقترح أن ينشئ الآباء حلقات بودكاست مخصصة لأطفالهم أثناء القيادة إلى المدرسة معلنًا عجزه عن تخيل تربية الأبناء دون «شات جي بي تي»، بينما رجّح مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، أن يصبح تلبية الاحتياجات العاطفية والاجتماعية عبر الذكاء الاصطناعي أمرًا مقبولًا، وطرحت ويتني وولف هيرد فكرة وكلاء أذكياء يخوضون مواعيد التعارف نيابة عن البشر قبل اللقاء الحقيقي.
هذه الرؤى لا تعكس مجرد سوء تقدير في الخطاب الترويجي، بل تفضح مأزقًا هيكليًا في محاولة خلق طلب استهلاكي اصطناعي. قادة هذه المنصات يواجهون حافزًا ماليًا ملحًا لإقناع الجمهور بجدوى إدخال التقنية في كل شأن شخصي، لا سيما مع ترقب طرح شركة «أنثروبيك» للاكتتاب العام الأولي في وقت بدأ فيه المستثمرون في وول ستريت يفقدون شهيتهم للإنفاق الرأسمالي الضخم على البنية التحتية للحوسبة دون عوائد واضحة. غير أن هذا التوجه يرسم لدى قطاعات واسعة واقعًا غير محبب ينزع التفاعل البشري المباشر من التجربة الإنسانية.
النقاش الدائر حول هذه التصريحات يضع اليد على أزمة تتوزع بين صياغة الرسائل وطبيعة المنتجات نفسها. فعندما يجتمع مسؤولو الشركات التقنية الكبرى في قاعة واحدة لبحث نقاط الألم في حياتهم، تتمحور أفكارهم حول حجز مقاعد المطاعم أو تذاكر الطيران، وهي مهمات تمثل احتكاكًا يوميًا لنخبة محدودة لكنها لا تشكل أزمة للمستهلك العام. الرهان الحالي يشبه انطلاقة «أوبر» الأولى حين استهدفت شريحة تقنية ضيقة في سان فرانسيسكو وافترضت أن سلوكها يحدد ملامح المستهلك القادم، غير أن هذا الرهان يواجه اليوم رد فعل عكسيًا، يبرز في اتجاه قطاعات من المستخدمين إلى اقتناء الهواتف القديمة القابلة للطي وشراء الأقراص المدمجة رغبة في الإفلات من هيمنة الخوارزميات.
ما الذي يتغير فعليًا لفرق المنتجات الرقمية والتحول التقني في الخليج ومصر والشام؟ الدرس الأساسي لمؤسسي الشركات ومطوري الواجهات في الرياض ودبي وعمان والقاهرة هو تجنب استنساخ افتراضات وادي السيليكون بشأن إلغاء التفاعل الشخصي. طبيعة الأعمال والخدمات في المنطقة تقوم على موثوقية العلاقات والاتصال الإنساني، سواء في المعاملات المصرفية أو العقارية أو منصات التجارة وخدمة العملاء. محاولة استبدال هذا الحضور بوكلاء أذكياء مفرطين في التطفل ستؤدي إلى نفور المستخدمين وهدر ميزانيات التطوير في ميزات هامشية، خصوصًا مع تشديد صناديق الاستثمار الجريء الإقليمية على جدوى العائد المالي الحقيقي بدل مطاردة الابتكارات الشكلية.
الفرصة العملية أمام الكفاءات التقنية في أسواقنا تكمن في توجيه النماذج نحو إزالة التعقيد من المهام الإدارية، وتدقيق المستندات، وتحسين سلاسل الإمداد، مع احترام المساحة الإنسانية للعميل والموظف. المستهلك يبحث عن أدوات تختصر أعباء العمل لتمنحه وقتًا حقيقيًا لأسرته، ولا يطلب من الأنظمة عيش حياته بالنيابة عنه. وإذا كان صانعو التقنية في المراكز العالمية يختبرون عزلة تدفعهم لأتمتة أبسط المشاعر، فإن القيمة التنافسية لمنتجات الذكاء الاصطناعي عربيًا تتحدد بقدرتها على خدمة المجتمع الواقعي دون مصادرة روحه.