سباق مراكز البيانات في أستراليا يصطدم بحدود الطاقة والمياه: فاتورة البنية التحتية تعيد حسابات السيادة الرقمية
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
تقف أستراليا أمام مفارقة حادة في قلب سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، إذ تسعى الدولة إلى التحول لعاصمة دولية لمراكز البيانات بحسب تطلعات كبرى شركات التقنية، بينما تواجه مجتمعاتها المحلية وشبكاتها العامة أزمة متصاعدة في استهلاك الطاقة والمياه. تضم البلاد حاليًا 162 مركزًا للبيانات مع التخطيط لبناء 90 مركزًا إضافيًا، وتستند هذه التوسعات إلى استثمارات مرصودة تتجاوز 155 مليار دولار أسترالي، ما يعادل نحو 80 مليار جنيه إسترليني. وتجتذب أستراليا هذه المشروعات الضخمة بفضل وفرة أراضيها واحتياطيات الغاز الطبيعي واستقرارها السياسي، إلا أن ضخامة هذه المنشآت بدأت تفرض أعباء بيئية وتشغيلية تفوق قدرة البنى التحتية القائمة.
يتجلى حجم الضغط في الخطط الموجهة نحو غرب سيدني، حيث يُنتظر بناء واحد من أكبر مراكز البيانات في العالم بطاقة استيعابية تصل إلى غيغاواط واحد، ليصبح أكبر مستهلك منفرد للكهرباء في البلاد، إلى جانب بناء أضخم مركز في النصف الجنوبي للكرة الأرضية في منطقة مارسدن بارك. وتوضح بليندا دينيت، الرئيسة التنفيذية لجمعية مراكز البيانات الأسترالية، أن استضافة هذه البنى التحتية محليًا يقلل زمن استجابة البيانات الضروري لعمليات حيوية مثل الجراحة الروبوتية والملاحة الجوية، ويمنع تحول الدولة إلى مجرد مستورد للأدوات دون امتلاك حصة من سلسلة القيمة. غير أن الاحتياج الهائل لطاقة مستمرة لا تستطيع مصادر الرياح والشمس تلبيتها وحدها يهدد بإنعاش محطات الغاز والفحم والاعتماد على مولدات الديزل الاحتياطية.
وتشير تقديرات مشغل سوق الطاقة الأسترالي إلى احتمال تضاعف الطلب الكهربائي لمراكز البيانات ثلاث مرات بحلول عام 2030، وهو ما قد يرفع أسعار الكهرباء بنسبة 26 بالمئة في ولاية نيو ساوث ويلز بحلول عام 2035 وفقًا لمجلس المناخ الأسترالي. ولا يقتصر التحدي على الطاقة، فالتبريد يستهلك كميات هائلة من المياه العذبة تصل في بعض المراكز إلى 40 مليون لتر يوميًا، وهو ما يعادل استهلاك 80 ألف منزل. وتتوقع هيئة مياه سيدني أن تستحوذ مراكز الحوسبة على ما يصل إلى 25 بالمئة من إمدادات مياه الشرب في المدينة بحلول عام 2035، ما دفع الحكومة الفيدرالية برئاسة أنتوني ألبانيزي إلى إعلان تشريعات ستدخل حيز التنفيذ عام 2027 لإلزام المرافق الجديدة بتحمل تكاليف المياه والطاقة الإضافية.
يقدم النموذج الأسترالي درسًا عمليًا بالغ الأهمية لخطط الحوسبة والسيادة الرقمية في منطقة الخليج ومصر والشام، حيث تتسابق الحكومات لافتتاح مجمعات الحوسبة ومراكز النماذج السيادية. وتبرز التجربة أن حساب الجدوى لا يقف عند شراء الرقائق وبناء المباني، بل يمتد إلى تكلفة تبريد الخوادم في بيئات صحراوية شحيحة المياه تتطلب اللجوء إلى تقنيات التبريد السائل المغلق والتحلية المباشرة بدل استنزاف الشبكات المدنية. كما أن صانع القرار في المنطقة يواجه المفاضلة ذاتها بين حرق الوقود لتغذية مراكز الاستدلال وبين ربط التوسعات بمحطات طاقة نظيفة مخصصة، لضمان عدم تحميل القطاع السكني والصناعي تكاليف ارتفاع تعرفة الكهرباء.
إن بناء السيادة التقنية في المنطقة يتطلب موازنة دقيقة بين توطين البنية السحابية وحماية الموارد الحيوية. وإذا لم تترافق استثمارات الذكاء الاصطناعي مع حلول هندسية صارمة لكفاءة الطاقة واستدامة التبريد، فإن تكلفة الحوسبة ستتحول إلى عبء مباشر على شبكات الخدمات الأساسية، مما يفرض على المطورين وقادة التقنية المحليين إدراج استهلاك المياه وانبعاثات الطاقة كعنصر حاسم في تقييم أي مشروع رقمي جديد.