قبل طرح تريليوني مرتقب: آنثروبيك ترهن نمو أسهمها بتعويض أضرار سوق العمل
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
تستعد شركة «آنثروبيك»، المطورة للمساعد الذكي «كلود»، لما قد يصبح أضخم طرح عام أولي في تاريخ الأسواق المالية، لكنها اختارت أن تسبق خطوة الإدراج بتعهد غير مألوف في وول ستريت: تحويل جزء متصاعد من ملكيتها إلى صندوق للمنفعة العامة. أعلنت الشركة المتمركزة في سان فرانسيسكو تخصيص 5 بالمئة من أسهمها فورًا، رهنًا بموافقة المساهمين، لصالح «صندوق آنثروبيك للمنفعة العامة»، مع بند يتيح لمجلس الإدارة إضافة 2 بالمئة إضافية مع كل قفزة بنسبة 50 بالمئة في القيمة السوقية للشركة.
تأتي هذه الخطوة بينما تتجه أنظار المحللين نحو إدراج محتمل في البورصة الأميركية قبل نهاية عام 2026، بتقييم يتجاوز تريليوني دولار. وبدل أن تتبع الشركة النهج السائد في قطاع التقنية بمضاعفة حزم الأسهم الممنوحة لكبار التنفيذيين، ربطت هيكل الصندوق بنموها الرأسمالي مباشرة، فكلما تضخمت قيمتها السوقية اتسعت الحصة الموجهة للمصلحة العامة. إن رهن حصص الملكية بامتصاص صدمات التقنية يمثل سابقة تعيد تعريف مسؤولية صانع النموذج تجاه المجتمع. ووفق إعلان الشركة، يتجه الصندوق لتقديم تبرعات للمؤسسات التقليدية غير الربحية، فضلًا عن توزيعات مالية مباشرة على فئات سكانية متضررة، مع التركيز على استيعاب الاضطرابات العميقة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على أسواق العمل.
هذا التوجه ليس وليد اللحظة لدى الشركة التي تأسست عام 2021 على يد موظفين سابقين في «أوبن إيه آي»، إذ سبق لها أن خصصت 200 مليون دولار لدراسة تداعيات الذكاء الاصطناعي ومعالجتها، غير أنها ترى اليوم أن تسارع وتيرة التطوير يفرض حلولًا أكثر جرأة. ويعكس هذا الالتزام طبيعة تسجيل الشركة بصفتها «شركة منفعة عامة» في ولاية ديلاوير الأميركية، وهو وضع قانوني يُلزم قيادتها بموجب ميثاقها بموازنة عوائد المساهمين مع التطوير المسؤول للتقنية. يتزامن ذلك مع تصاعد القلق العالمي من الآثار الارتدادية للأتمتة؛ إذ قدّر تقرير حديث لشركة ماكنزي أن نحو 11 مليون عامل أميركي قد يضطرون لتغيير مساراتهم المهنية خلال العقد القادم، في حين حسمت الشركة موقفها بالنص الصريح على حظر استخدام أموال الصندوق في أنشطة الضغط السياسي أو التبرعات الحزبية داخل الولايات المتحدة أو خارجها.
بالنسبة للمؤسسات والفرق المهنية في الخليج ومصر والمشرق العربي، يحمل هذا التحول دلالة تتجاوز حدود الهيكلة المالية في وادي السيليكون. عندما يقر أحد أبرز مطوري النماذج التوليدية عالميًا، وعبر أصول بمليارات الدولارات، بأن التقنية التي يبنيها ستحدث اضطرابًا وظيفيًا يستلزم شبكات أمان وتوزيعات نقدية، فإن حسابات توطين الذكاء الاصطناعي وإعادة تأهيل الكوادر في أسواقنا تفقد رفاهية التريث. يتوجب على مديري التقنية والموارد البشرية في المنطقة إدراك أن كلفة التحول الوظيفي ليست عبئًا تنظيميًا مؤجلًا، بل أثر مباشر تتوقع كبرى شركات القطاع تمويل تداعياته من عوائد طرحها العام. لم يعد السؤال محصورًا في سرعة تبني النموذج، بل في جاهزية المنظومة المحلية لحماية مسارات العمل واستيعاب التحولات الجذرية في المهارات المطلوبة.
تكشف هذه الخطوة أيضًا عن معيار جديد لفحص الموردين التقنيين عند إبرام الشراكات المؤسسية؛ فالجهات التي تعتمد على نماذج متقدمة مثل «كلود» في البنية التحتية للأعمال باتت تتعامل مع كيان ملزم قانونيًا وماديًا بموازنة أرباح المستثمرين مع كبح المخاطر المجتمعية. وفي سوق برمجيات تتسابق فيه المنصات نحو تعظيم هوامش الربح، تقدم هذه الهيكلة اختبارًا عمليًا لمدى قدرة الشركات المطورة على تحمل التكلفة الاجتماعية للتقنيات التي تصدرها إلى العالم.