«التاجر الصغير» يسأل الذكاء الاصطناعي عن مبيعات اليوم قبل توقعات الغد: ثقة المنشآت الخليجية أولًا
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
حين تُروى قصة الذكاء الاصطناعي في الإمارات هذا العام، تتكرر الشخصيات نفسها: استراتيجيات سيادية، وبرامج تحول مؤسسي، ووزارات تستعد لتشغيل الذكاء الاصطناعي الوكيلي في 50 بالمئة من الخدمات والعمليات الاتحادية خلال عامين. لكن مقالًا كتبه أحمد سامح، المدير التنفيذي للتسويق في «فورتيس»، ونشرته «ومضة»، يرى أن هذه الرواية لا تشرح كيف يتغير عمل أغلب الشركات الخليجية.
الرقم الذي يبني عليه الكاتب حجته: المنشآت الصغيرة والمتوسطة تشكل 94 بالمئة من الأعمال في الإمارات بحسب وزارة الاقتصاد، ومع ذلك يقل الحديث عنها في نقاش الذكاء الاصطناعي. ويقول إن ما يسمعه من التجار نادرًا ما يشبه سردية المؤسسات الكبرى: همومهم عملية، ومواردهم محدودة.
المسألة هنا ثقة قبل أن تكون تقنية. دراسة عام 2025 شملت 315 مشاركًا من منشآت الضيافة الصغيرة والمتوسطة في الإمارات وجدت أن دعم الإدارة العليا من أقوى المؤشرات على نية تبني الذكاء الاصطناعي، إلى جانب ضغط المنافسة والتنظيم الحكومي، وبوزن أكبر من الفائدة المتصورة للتقنية. فالسؤال ليس هل تعمل الأداة، بل هل يثق بها أحد داخل المنشأة بما يكفي ليتبناها ويجد الوقت لاستخدامها.
ويستند الكاتب إلى بحث ميداني أجرته شركته مع تجار الأغذية والمشروبات. هؤلاء وصفوا قرارات البرمجيات بلغة المخاطرة لا بلغة الميزات: دفع سريع، وإعداد سهل للقوائم، وتدريب أقل للموظفين، ودعم موثوق، وتسعير واضح. خلاصته: تُختار أنظمة نقاط البيع لتقليل المخاطر، لا لتعظيم الميزات. وأي ذكاء اصطناعي منقول من برمجيات المؤسسات قد يطلب ما تفتقده المنشأة الصغيرة: موظف تقنية متفرغ، وتأهيلًا طويلًا، وصبرًا على ميزات صُممت لمشكلات ليست مشكلتها.
على جانب العملاء، التغيير قائم فعلًا، وبشروط المستهلك. استطلاع «تابي» للتسوق لعام 2026، الذي شمل أكثر من 20 ألف مشارك في الإمارات والسعودية، وجد أن 43 بالمئة يستخدمون الذكاء الاصطناعي ليقرروا ماذا يشترون، وأن 51.8 بالمئة ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا استخدموه في مرحلة ما من رحلة التسوق. غير أن 30 بالمئة فقط يثقون بتوصياته ثقة كاملة. الاستخدام إذًا سبق الثقة.
أما التجار أنفسهم، فبحسب بحث الكاتب يستخدمون أدوات اختاروها بأنفسهم، مثل ChatGPT وGemini وDeepSeek، في مهام تسويقية غالبًا: كتابة عبارات وسائل التواصل، وتوليد أفكار الحملات، واقتراح أسماء المنتجات. وبعضهم يستعين بها في التسعير، كسعر صنف جديد أو شكل حزمة أو خصم. أما تحليلات المبيعات والتنبؤ فلم يجربها التجار الذين شملهم البحث. والسبب لا يقتصر على التردد، فالمساعد المستقل لا يرى أداء المنشأة الفعلي ما لم يُربط ببيانات المبيعات والتشغيل.
وطلب التجار الأكثر تكرارًا بسيط: «أخبرني بما يحدث في عملي الآن». يريدون إجابات عن مبيعات اليوم، وما تغيّر عن أمس، وما الأكثر مبيعًا، وهل هناك شيء غير معتاد، ومن باع أكثر، وأي العملاء عاد. لا لوحة بيانات جديدة. ويلخص الكاتب ذلك بأن التاجر يحتاج أن يثق بالأداة فيما يحدث اليوم قبل أن يأتمنها على توقع الأسبوع القادم.
ما الذي يتغير فعليًا لمن يعمل في هذا السوق؟ للتاجر، قرار الشراء يصبح اختبارًا لثلاثة أسئلة: كم يستغرق الإعداد، وهل تحتاج الأداة موظفًا متفرغًا، وهل تقرأ بياناتي أنا. وللمورّد الذي يبيع برمجيات للمنشآت الصغيرة، نسخة مخففة من منصة صُممت لمؤسسة من 500 موظف لن تكفي، والمنافس الأقرب هو من يقدم إجابات فورية بلا تأهيل طويل. وللمسوّق في قطاع التجزئة، يعني تفاوت الاستخدام والثقة عند العملاء أن توصية الذكاء الاصطناعي قد تصل إلى المشتري قبل أن يتقبلها. وهذا استنتاج من معطيات المقال، لا واقعة وردت فيه.
ويضيف الكاتب أن تقرير «ماكنزي» لحالة الذكاء الاصطناعي لعام 2025 وجد أن المؤسسات التي صنفها عالية الأداء، وهي نحو 6 بالمئة من المشاركين، كانت أرجح بثلاثة أضعاف في الإبلاغ عن ملكية قوية والتزام من القيادة العليا. ويقر بأن هذه النتائج تخص مؤسسات مختلفة الأحجام، لا المنشآت الخليجية الصغيرة تحديدًا، لكن الدرس واحد: تبني الأدوات شيء، واستخراج قيمة قابلة للقياس منها شيء آخر.
وفي رأيه أن مطعمًا يتوقع يوم ثلاثاء هادئًا فيعدل جدول عماله، أو متجرًا يعيد استمالة عملاء توقفوا عن العودة، قد يعمل بكفاءة أعلى من منافس يعتمد القرار اليدوي، وتتراكم هذه الميزة مع الوقت في التجزئة والضيافة حيث هوامش الربح ضيقة. والمرحلة المقبلة لتبني الذكاء الاصطناعي في المنشآت الخليجية الصغيرة قد ترتبط بمدى ملاءمة التقنية لها أكثر مما ترتبط بمدى تطورها. ومن يجد الأداة الملائمة يكون أقدر على التقدم.