«هيوماين» و«جي 42» تفتحان مسار رأس المال الخارجي: انتقال عمالقة الذكاء الاصطناعي في الخليج نحو أسواق المال والشركاء الدوليين
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
تتجه كبرى الكيانات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي والمدعومة سياديًا في منطقة الخليج نحو مرحلة مفصلية في هيكلة تمويلها، عبر فتح الباب أمام رأس المال الخارجي والاستعداد لطروحات عامة محتملة. فبعد مرحلة أولى ركزت على ضخ استثمارات ضخمة لبناء مراكز البيانات والبنية التحتية للحوسبة، بدأت شركتا «هيوماين» السعودية و«جي 42» الإماراتية خطوات عملية لجذب مستثمرين دوليين وتنويع مصادر التمويل بعيدًا عن الاعتماد الحصري على الصناديق السيادية.
في الرياض، بدأت شركة «هيوماين»، المملوكة بأغلبية لصندوق الاستثمارات العامة، تشكيل فريق متخصص لإعداد الشركة للطرح العام الأولي. وأعلن الرئيس التنفيذي للشركة، طارق أمين، عبر منشور مهني، عن فتح باب استقطاب كفاءات تملك خبرات استشارية ومالية واستراتيجية معمقة لصياغة سردية استثمارية مقنعة وإدارة ملف الاستعداد للطرح. وتغطي أعمال «هيوماين» مراكز البيانات، وبنية الحوسبة، والبرمجيات، والمنتجات الاستهلاكية، بعدما أطلقت منتجات متقدمة مثل حاسوب «هورايزن ألترا» للوكلاء الأذكياء بالشراكة مع «كوالكوم»، وشراكتها مع «أبلايد إنتويشن» لنشر شاحنات ذاتية القيادة في المملكة بحلول عام 2030. وكان أمين قد أشار في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار إلى دراسة إدراج مزدوج في السوق السعودية والولايات المتحدة خلال ثلاث إلى أربع سنوات.
تمثل هذه التحركات مؤشرًا على انتقال عمالقة التقنية في المنطقة من مرحلة التأسيس المدعوم سياديًا إلى مرحلة الانضباط المالي ومتطلبات الأسواق العامة. وفي أبوظبي، تدرس مجموعة «جي 42»، المدعومة من شركة «مبادلة» للاستثمار، خيارات استراتيجية مماثلة تشمل جمع مليارات الدولارات من مستثمرين خارجيين، إلى جانب بحث إمكانية بيع حصة أغلبية لشركات أمريكية بهدف تأمين الوصول المستدام إلى رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وذلك وفق محادثات استكشافية أولية لم تصل إلى قرارات نهائية.
يرى خبراء أسواق المال أن هذا التحول يتيح مضاعفة حجم رؤوس الأموال المستثمرة في التقنيات المتقدمة دون زيادة متناسبة في انكشاف الصناديق السيادية المباشر. ونظرًا لأن النماذج التشغيلية للجيل القادم من الذكاء الاصطناعي تتطلب كثافة رأسمالية عالية وتدفقات مالية طويلة الأجل لمواكبة تكاليف المعالجة والتوسع، فإن التوجه إلى أسواق المال يفرض على هذه الشركات إثبات قدرتها على توليد إيرادات تجارية مستدامة وربحية واضحة، تفاديًا لتقييمها كشركات بنية تحتية تقليدية تستهلك السيولة الرأسمالية بكثافة.
يفرض هذا التحول معادلة تشغيلية جديدة على الشركات والمؤسسات التقنية في الخليج ومصر والشام. فعلى مستوى صناع القرار ومديري التقنية في المؤسسات الإقليمية، يعني دخول رأس المال الخارجي وتدقيق الأسواق العامة تحول تسعير خدمات الحوسبة السحابية والحلول الذكية من الدعم التأسيسي إلى التسعير التجاري الصارم، ما يتطلب من مشتري الخدمات التقنية حساب العائد الاستثماري على كل مشروع بدقة. كما ينشئ هذا المسار طلبًا واسعًا على مهارات متخصصة في المنطقة تجمع بين الفهم الهندسي لأنظمة الذكاء الاصطناعي والقدرة على بناء النماذج المالية والتقييمات الاستثمارية المعقدة.
يضع التوجه نحو المستثمرين الدوليين والشركاء العالميين منظومة التقنية الإقليمية أمام مرحلة جديدة من النضج، حيث تصبح الشفافية التشغيلية وتحقيق هوامش الربح الحقيقية هما المعيار الأساسي لتقييم المشاريع، إلى جانب تثبيت سلاسل التوريد التقنية الحيوية وضمان استمرارية الحوسبة المتقدمة في المنطقة.