عندما صدّقتُ الذكاء الاصطناعي أكثر مما ينبغي
استمع لهذا المقال
بصوت سلمى (Salma)
تجربة حقيقية كادت تُضر أحد مشروعاتي
أنا من أكثر المؤمنين بقيمة الذكاء الاصطناعي في الموارد البشرية، وأستخدمه في تحليل السير الذاتية، وكتابة الوصف الوظيفي، وإعداد أسئلة المقابلات، ومقارنة المرشحين. لكنني تعلّمت من موقف حقيقي أن استخدام أداة قوية لا يعني أن نسلّمها عقولنا أو نمنحها ثقة مطلقة.
في أحد مشروعات التوظيف، استخدمت أداة ذكاء اصطناعي لفرز السير الذاتية وتحليل مدى توافق المرشحين مع متطلبات الوظيفة. لم أستخدمها بطريقة عشوائية؛ كنت قد درّبتها جيدًا على متطلبات المشروع، وحددت لها الخبرات المطلوبة، وطلبت منها بوضوح أن تبحث عن أي Red Flags داخل كل سيرة ذاتية.
جاءني تحليل أحد المرشحين بصورة ممتازة. الخبرات مناسبة، والمهارات متوافقة، والتقييم مطمئن، ولم ترصد الأداة أي مشكلة جوهرية. وبناءً على هذا التحليل، أرسلت السيرة الذاتية إلى المشروع.
لكن عند المراجعة البشرية، ظهرت المفاجأة.
كان المرشح قد كتب ضمن خبراته فترة عمل تبدأ في شهر وسنة لم يأتِ موعدهما بعد! أي أنه سجّل خبرة وظيفية في المستقبل، وهو تناقض واضح كان يجب اكتشافه فورًا.
المعلومة كانت موجودة أمام الأداة، والتعليمات كانت واضحة، لكنها لم تلتقطها. وأنا بدوري اعتمدت على النتيجة من دون أن أجري المراجعة النهائية بنفسي.
في تلك اللحظة أدركت أن الخطر الحقيقي ليس في أن يخطئ الذكاء الاصطناعي؛ فالخطأ وارد في أي نظام. الخطر هو أن نثق في إجابته لدرجة تجعلنا نتوقف عن التفكير والتحقق.
لماذا لم يكتشف الذكاء الاصطناعي الخطأ؟
الذكاء الاصطناعي قد يحلل كمية كبيرة من المعلومات بسرعة، لكنه لا يفهمها دائمًا بالطريقة نفسها التي يفهمها الإنسان. قد يركز على تطابق الكلمات المفتاحية، أو عدد سنوات الخبرة، أو توافق المهارات، ويتجاوز تناقضًا زمنيًا واضحًا.
كما أن النتيجة التي تبدو منظمة وواثقة ليست بالضرورة نتيجة صحيحة. فالذكاء الاصطناعي يستطيع تقديم الخطأ بأسلوب مقنع جدًا، وهنا تكمن خطورته.
وحتى عندما ندرّب الأداة جيدًا ونضع لها تعليمات دقيقة، لا يمكننا افتراض أنها ستطبق كل معيار بصورة صحيحة في كل مرة. التدريب الجيد يقلل احتمالات الخطأ، لكنه لا يلغيها.
ماذا كان يمكن أن يحدث؟
قد يبدو الخطأ بسيطًا، لكنه في مجال التوظيف قد يؤدي إلى:
- ترشيح شخص غير مناسب للعميل أو المشروع.
- الإضرار بمصداقية مسؤول التوظيف أو الاستشاري.
- إهدار وقت فريق المقابلات.
- اتخاذ قرار بناءً على معلومات غير دقيقة.
- استبعاد مرشح مؤهل أو تفضيل مرشح أقل كفاءة.
- تعريض المؤسسة لمخاطر مهنية أو قانونية أو أخلاقية.
الأداة لا تتحمل مسؤولية القرار أمام العميل أو الإدارة أو المرشح. المسؤولية النهائية تظل على الإنسان الذي استخدمها واعتمد على مخرجاتها.

الذكاء الاصطناعي مساعد وليس بديلًا للعقل
لا تعني هذه التجربة أن نتوقف عن استخدام الذكاء الاصطناعي. على العكس، فهو يستطيع أن يوفر وقتًا كبيرًا، ويساعدنا على تنظيم البيانات، وإجراء المقارنات، واكتشاف أنماط قد يصعب رصدها يدويًا.
لكن يجب أن نضعه في مكانه الصحيح: مساعد ذكي يقدم توصيات، وليس صاحب القرار النهائي.
في فرز السير الذاتية مثلًا، يمكن للذكاء الاصطناعي إجراء التحليل الأولي، لكن يجب أن يراجع المتخصص بنفسه:
- التسلسل الزمني للخبرات.
- التداخل أو الفجوات بين الوظائف.
- صحة عدد سنوات الخبرة.
- تناسق المسميات مع المسؤوليات.
- المؤهلات والشهادات والتواريخ.
- أي مبالغات أو تناقضات محتملة.
- مدى ملاءمة المرشح للسياق الفعلي للوظيفة.
فالخبرة البشرية لا تقتصر على قراءة المعلومات، بل تشمل فهم السياق، وطرح الأسئلة، وملاحظة ما لا يبدو منطقيًا، وتحمل مسؤولية القرار.
الدرس الذي تعلمته
أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه ليس استخدام الذكاء الاصطناعي، بل استخدامه من دون مراجعة.
قد نكتب أفضل تعليمات، وندرّب الأداة على كل التفاصيل، ونطلب منها البحث عن الأخطاء والمخاطر، ومع ذلك قد تفشل في ملاحظة معلومة واضحة. لذلك يجب أن تظل هناك دائمًا مرحلة أخيرة اسمها: Human Verification.
استخدموا الذكاء الاصطناعي لتسريع العمل، لا لإلغاء دوركم.
دعوه يقترح، ويحلل، ويرتب، ويقارن، لكن لا تسمحوا له بأن يأخذ القرار بدلًا منكم. لأن كفاءة المستقبل لن تكون في الشخص الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي فقط، بل في الشخص الذي يعرف متى يثق به، ومتى يشك في إجابته، ومتى يتدخل بعقله وخبرته.
الذكاء الاصطناعي قد يكون مساعدًا استثنائيًا، لكنه لا يزال يحتاج إلى إنسان منتبه خلف الشاشة.
بقلم: هدير نبيل
HR Consultant | CEO