أرامكو و«ساندبوكس إيه كيو»: عندما يصنع الذكاء الاصطناعي مواد المملكة القادمة
وقعت أرامكو شراكة مع شركة «ساندبوكس إيه كيو» الأمريكية، حيث يستخدم فريق العمل نماذج متخصصة تستند إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات أكثر من مليون مادة محفزة، واختيار الأنسب منها للاختبارات المخبرية. الرقم وحده يروي التحول: لم تعد التجربة المخبرية نقطة البداية، بل أصبحت نقطة التحقق مما رشحه النموذج من بين ملايين الاحتمالات.
وصف جاك هيداري، الرئيس التنفيذي لـ«ساندبوكس إيه كيو»، المرحلة القادمة بأنها تضع السعودية أمام فرصة استثنائية لبناء تقنيات تملك المؤسسات المحلية حقوقها، سواء في مجالات المواد المتقدمة، أو الأدوية، أو حتى التقنيات المرتبطة بالرقائق وأشباه الموصلات. الكلمة المفتاحية هنا «تملك»: الانتقال من مستهلك لحلول أجنبية جاهزة إلى منتج لملكية فكرية يمكن تصديرها، هو الفارق بين اقتصاد يستأجر التقنيات واقتصاد يصدرها.
التوجه لا يقتصر على قطاع الطاقة. الشراكة تفتح باب الاستخدام الفعلي للذكاء الاصطناعي لتقليص عدد التجارب المخبرية عبر معالجة كم هائل من البيانات واستخلاص أفضل الاحتمالات لاختبارها على أرض الواقع. بهذه الطريقة، يصبح الاستثمار في البحث العلمي موجهًا لخلق قيمة اقتصادية متجددة. تشمل الفرص الصناعات الحيوية: تطوير مواد البطاريات والمعادن، والبحث عن بدائل بيئية لبعض المواد الكيميائية، وصولًا إلى الرعاية الصحية حيث تبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تصميم الأدوية وتحسين وسائل التشخيص.
في موازاة ذلك، يشير هيداري إلى مجال صناعة الرقائق، موضحًا أن المملكة قادرة على دخول هذا السوق من باب تطوير المواد المرتبطة بإنتاج أشباه الموصلات، معتمدةً على خبرتها في الصناعات الكيميائية ومواردها الصناعية. ولا يتوقف الطموح عند هذا الحد، بل يمتد إلى مجالات مثل أمن البيانات والملاحة، حيث ظهرت تقنيات حديثة من بينها أنظمة ملاحة جوية تستخدم الذكاء الاصطناعي في تحديد المواقع حتى في ظل انقطاع إشارات الأقمار الاصطناعية.
كذلك، يلوح تحدي الحوسبة الكمية والأمن السيبراني في الأفق، مع تحذير من إمكانية تمكن الحواسيب الكمية مستقبلًا من فك رموز التشفير الحالي للبيانات. وتشير تجارب في البحرين ودول أخرى إلى أن تعزيز الأمن الرقمي لم يعد خيارًا، بل ضرورة تتطلب تحديث البنية التقنية وتطوير حلول محلية قادرة على مواكبة التطورات المقبلة.
ما يعنيه ذلك لك: النجاح في هذا التحول لن يُقاس بمدى اتساع مراكز البيانات أو حجم الاستثمارات في المعدات، بل بما تستطيع السعودية إنتاجه فعليًا من تقنيات ومواد وملكيات فكرية يمكن تصديرها. الشراكات النوعية، وجهود تطوير الموارد البشرية والمعرفة المحلية، هي العوامل الحاسمة للانتقال إلى مرحلة يكون فيها الذكاء الاصطناعي أحد روافد النمو الاقتصادي ومصادر الدخل المستدامة للمملكة خلال السنوات المقبلة.