توطين مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في السعودية يواجه تدقيق المسؤولية الحقوقية والمخاطر الإقليمية
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
أعلنت شركة «توغذر إيه آي» (Together AI) الأمريكية إبرام صفقة بنية تحتية مع شركة «هومين» (HUMAIN) السعودية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، لتنضم بذلك إلى أكثر من اثنتي عشرة شركة تقنية أمريكية، من بينها «أمازون ويب سيرفيسز» و«لوما إيه آي» و«أوراكل»، دخلت في عقود مع الشركة السعودية منذ تأسيسها عام 2025 بمبادرة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. تأتي هذه الهجرة المتسارعة للحوسبة السحابية مدفوعة بمعارضة شعبية وسياسية واسعة داخل الولايات المتحدة ضد التوسع في مراكز البيانات المحلية، حيث كشف استطلاع أجرته شبكة «إن بي سي نيوز» في أغسطس أن 69 بالمئة من المشاركين يرفضون بناء مراكز بيانات جديدة في مجتمعاتهم، بنسبة بلغت 57 بالمئة بين الجمهوريين و81 بالمئة بين الديمقراطيين، ما دفع الشركات الكبرى للبحث عن بيئات أكثر مرونة خارج حدودها.
تستند الجاذبية الاستثمارية في المملكة إلى وفرة الأراضي وإمدادات الطاقة الكهربائية منخفضة التكلفة القادرة على تشغيل أعباء الذكاء الاصطناعي المكثفة، فضلاً عن الالتزام الحكومي بالتحول إلى مركز حوسبة عالمي ضمن خطط تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط. وقد تجسد هذا الزخم في إطلاق «مشروع ترانسندنس» (Project Transcendence) عام 2024، وهو مبادرة مدعومة حكوميًا بقيمة 100 مليار دولار لتوسيع مراكز البيانات وتطوير الشراكات التقنية. ولدعم هذا التوسع الضخم، عينت «هومين» مصرف «غولدمان ساكس» لجمع 5.33 مليارات دولار على الأقل من مصادر الائتمان والأسهم الخاصة، بينما أعلنت شركة «بلاكستون» عن شراكة استراتيجية بقيمة 3 مليارات دولار لتطوير وإدارة البنية التحتية الضخمة بالتعاون مع «هومين» ومنصة «إير ترانك» (AirTrunk). وفي المقابل، جمعت «توغذر إيه آي» استثمارات من مؤسسات بارزة تشمل «كلاينر بيركنز»، و«كوتو مانجمنت»، و«لوكس كابيتال»، و«جنرال كاتيليست»، و«سيلزفورس فينتشرز»، والذراع الاستثماري لشركة «إنفيديا»، وصندوق «أرامكو فينتشرز»، وشركة «فيستا إكويتي بارتنرز».
لكن نقل البنية التحتية إلى الخارج لا يبدد المخاطر التشغيلية، بل يعيد إنتاجها بأشكال مختلفة. يسلط تقرير مركز «ستيرن» للأعمال وحقوق الإنسان في جامعة نيويورك الضوء على تحديات جيوسياسية ومناخية تتربص بهذه المشاريع. فقد أثبتت التوترات الإقليمية وحرب إيران أن مراكز البيانات باتت أهدافًا حيوية في النزاعات، إذ استهدفت منشآت تابعة لشركة «أمازون» في البحرين والإمارات، كما سمى الحرس الثوري الإيراني في أبريل 2026 ثماني عشرة شركة تقنية أمريكية، من ضمنها «أبل» و«غوغل» و«آي بي إم» و«سيسكو»، كأهداف مشروعة للاستهداف في الشرق الأوسط. وعلى الصعيد البيئي، تواجه عمليات التشييد وطأة المناخ القاسي، حيث تشير منظمة العمل الدولية إلى أن 83.6 بالمئة من العمال في الدول العربية يتعرضون لحرارة مفرطة تؤدي إلى الإنهاك وتلف الكلى، في حين تظهر أبحاث «هيومن رايتس ووتش» أن أعلى درجات الإجهاد الحراري تسجل في فترات الصباح قبل بدء سريان حظر العمل الشمسي الممتد من الظهيرة حتى الثالثة عصرًا.
تتزامن هذه الظروف مع تدقيق متزايد على ممارسات توظيف العمالة الوافدة في قطاع البناء، ومعظمهم قادمون من جنوب آسيا بعد دفع رسوم توظيف باهظة تعادل دخل عام كامل بقروض وفوائد سنوية تصل إلى 50 بالمئة، مما يوقعهم في شراك سخرة الديون. ورغم إقرار مبادرة إصلاح العمل في السعودية عام 2021، فإن ثغرات التنفيذ والقيود على الإبلاغ عن الانتهاكات تضع الشركات تحت مجهر المساءلة الدولية مع اقتراب تنظيم كأس العالم 2034. وتكمن الخطورة المباشرة على الشركات الغربية ومموليها في اتساع نطاق الملاحقات القضائية بموجب قانون حماية ضحايا الاتجار بالبشر الأمريكي (TVPRA)، الذي يحمّل المؤسسات مسؤولية مدنية وجنائية إذا استفادت عمدًا من مشاريع تعتمد على العمل القسري، إلى جانب توجيهات العناية الواجبة للاستدامة في الاتحاد الأوروبي التي تفرض غرامات تصل إلى 3 بالمئة من إجمالي الإيرادات العالمية، وترتفع في ألمانيا إلى 5 بالمئة.
هذا التدقيق القانوني يعيد رسم أولويات التخطيط والاستثمار للشركات العاملة في الخليج ومصر والمنطقة. إن استقطاب عمالقة الحوسبة والرساميل العالمية لم يعد يتوقف على تقديم عروض الطاقة والمساحات فقط، بل يتطلب من مشغلي مراكز البيانات المحليين والمقاولين رفع معايير الامتثال العمالي وتطبيق تدقيق صارم لسلاسل التوريد والتوظيف، تجنبًا لإفشال جولات التمويل أو تعريض الشركاء الغربيين لعقوبات دولية باهظة. وعلى صعيد مديري البنية التحتية والتقنية في المصارف والجهات الحكومية الإقليمية التي تبني حلولها فوق هذه السحب، فإن تركيز الحوسبة محليًا يفرض مراجعة استراتيجيات توزيع الأعباء وضمان استمرارية الأعمال ضد التهديدات الأمنية الإقليمية، بحيث يتحول تأمين المنشآت والأنظمة البديلة إلى ركيزة مالية وتشغيلية ملزمة وليس مجرد إجراء احترازي.
يثبت هذا المسار أن الهروب من قيود المجتمعات المحلية في الغرب لا يعني الإفلات من القوانين الدولية أو تجاوز الحسابات المادية الدقيقة. ومع اندماج النظام المالي الغربي في تمويل بنية الذكاء الاصطناعي الإقليمية، أصبحت معايير العناية الواجبة والأمان التشغيلي مقياسًا حاسمًا لنجاح هذه التحالفات التكنولوجية واستمراريتها على المدى الطويل.