عائد استثمارات الذكاء الاصطناعي يقف عند بوابات التخزين: بطء تدفق البيانات يهدد كفاءة معالجات الحوسبة
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
تتجه تقديرات الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي نحو بلوغ 2.59 تريليون دولار خلال عام 2026، بالتزامن مع ضخ السعودية مليارات الدولارات عبر مبادرات حكومية واستثمارات في البنية التحتية وشراكات دولية ضمن مستهدفات رؤية 2030 للريادة التقنية. غير أن هذا التوسع الرأسمالي الكبير يصطدم بحقيقة تشغيلية تثير القلق في دوائر التخطيط، إذ تظهر البيانات أن 28 بالمئة فقط من مشاريع الذكاء الاصطناعي تنجح في تحقيق عائد ملموس على الاستثمار، بينما يعجز الجزء الأكبر منها عن تقديم نتائج مجدية تبرر حجم الإنفاق.
هذه الفجوة بين حجم التمويل وعوائد التشغيل تدفعنا إلى إعادة فحص البنية التحتية من زاوية تتجاوز السباق التقليدي نحو اقتناء معالجات الرسوميات ووحدات المعالجة العصبية فائقة السرعة. لقد هيمنت قدرات الحوسبة الخام على اهتمام المؤسسات لسنوات، بينما عوملت منظومات التخزين كطبقة دعم متأخرة تُناقش بعد استنزاف الميزانيات. الذكاء الاصطناعي منظومة بيانات تتسع وتتغير وتتطلب إعادة هيكلة مستمرة طوال دورة حياتها، وحين تعجز طبقة التخزين عن مجاراة سرعة المعالجة، يتحول العتاد الحسابي الأغلى إلى قدرات مهدرة تتعطل بانتظار تدفق المدخلات.
الأزمة تتفاقم مع انفجار حجم البيانات عالميا، إذ تشير التوقعات إلى قفزة من 218.4 زيتابايت في عام 2025 إلى 718.5 زيتابايت بحلول عام 2030، وهو ما يمثل تضاعفا يفوق ثلاثة أضعاف في خمس سنوات فقط. وتغذي طبيعة نماذج الذكاء الاصطناعي هذا التدفق عبر الإنتاج المتواصل للبيانات الوصفية، والمدخلات التوليدية، وسجلات التشغيل، وبيانات التدريب. وبحسب بيانات مؤسسة «آي دي سي»، فإن القاعدة التخزينية المركبة عالميا ستتجاوز 26 زيتابايت بحلول 2030 لتلبية التوسع السحابي واحتياجات الاحتفاظ بالبيانات على المدى الطويل.
الخطر المالي هنا لم يعد مجرد مسألة كفاءة رقمية، بل بات بندا رئيسا يهدد ميزانيات الشركات. تمثل معالجات الرسوميات الكلفة الأضخم في مشاريع الذكاء الاصطناعي، وكل ساعة تقضيها تلك المعالجات في وضع الخمول بانتظار عمليات القراءة والكتابة من وسائط التخزين تعني خسارة مباشرة لرأس المال. تعطل معالجات الحوسبة بانتظار بوابات التخزين يحرق الميزانيات ويراكم ديونا تقنية تقود إلى مواجهات عسيرة مع مجالس الإدارة، لا سيما مع وصول سلاسل إمداد الأقراص الصلبة إلى اختناقات حادة هذا العام تمنع تدبير السعات التخزينية في أوقات قصيرة أو بقرارات طارئة.
بالنسبة للفرق التقنية وصناع القرار في السعودية والخليج، يتزامن الانتقال من النماذج التجريبية إلى التشغيل الإنتاجي مع متطلبات تشريعية دقيقة. لم يعد كافيا شراء بطاقات الحوسبة، بل بات واجبا بناء سعات التخزين بالتوازي مع معايير نظام حماية البيانات الشخصية الذي ينظم نقل البيانات خارج المملكة، إضافة إلى مواءمة البنية التحتية مع مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وأطر الحوكمة الصادرة عن «سدايا» لضمان الخصوصية والمساءلة.
هذا التحول يفرض على القيادات الهندسية في المنطقة التوقف عن حصر التخطيط في سرعة المعالجات، والبدء فورا في إدراج سعات التخزين وسرعات قنوات الربط ضمن دراسات الجدوى الأولية. النجاح في جني عوائد الذكاء الاصطناعي بات مشروطا بتناغم تدفق البيانات مع قدرات الحساب، والمؤسسات التي تبادر إلى تأمين سلاسل التخزين وبناء قواعد بيانات متوافقة محليا ستكون وحدها القادرة على حماية استثماراتها من التبخر التشغيلي.