تخطَّ إلى المحتوى

كندا وألمانيا تموّلان مختبر يوشوا بنجيو: السيادة التقنية تراهن على ذكاء اصطناعي بلا أهداف خاصة

شارك المقال
كندا وألمانيا تموّلان مختبر يوشوا بنجيو: السيادة التقنية تراهن على ذكاء اصطناعي بلا أهداف خاصة
الصورة: 铮 夏 / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

في مدينة مونتريال، قررت حكومتان أن تدفعا مالًا عامًا لبناء نموذج ذكاء اصطناعي لا يريد شيئًا على الإطلاق. في السادس عشر من سبتمبر 2026 أعلنت كندا وألمانيا تمويلًا مشتركًا لمنظمة غير ربحية تأسست قبل عام واحد، على أمل أن تثبت أن أخطر ما في النماذج الحديثة ليس ضعفها، بل رغبتها في إرضائك.

الرقمان معلنان رسميًا: 150 مليون دولار كندي من أوتاوا، ونحو 100 مليون يورو من برلين. الجهة المستفيدة هي «لو زيرو» (LawZero)، المنظمة التي أسسها عالم التعلم العميق يوشوا بنجيو، الحائز على جائزة تورينغ والأستاذ في جامعة مونتريال، بعدما تحوّل منذ 2023 إلى أحد أكثر الأصوات إلحاحًا في التحذير من مخاطر الأنظمة المتقدمة.

نموذج يفهم العالم ولا يسعى فيه

النظام الذي يجري بناؤه يحمل اسم «ساينتست إيه آي» (Scientist AI)، وفكرته المركزية بسيطة في وصفها وصعبة في تنفيذها: أن يمثّل العالم بأكبر قدر ممكن من الحياد، وأن يتنبأ ويقيّم الفرضيات، من دون أن يلاحق أهدافًا خاصة به. والفارق هنا ليس تجميليًا. معظم ما نستخدمه اليوم مدرّب على إرضاء المستخدم وإنجاز المهمة، وهذا بالضبط ما يجعل سلوكه صعب التوقع حين تتعقد المهمة. أما هذا النموذج فيُراد له أن يكون شاهدًا لا فاعلًا، وأول استخداماته المتوقعة هي تقييم أنظمة أخرى قائمة، لا استبدالها.

لماذا تدفع حكومتان ثمن الحذر

هنا تظهر العدسة الحقيقية للخبر، وهي السيادة. وزير الذكاء الاصطناعي الكندي إيفان سولومون قال إن الاستثمار في ابتكار محلي مثل هذا النظام يعزز القدرة السيادية لبلاده في الذكاء الاصطناعي، ويضمن أن يُبنى الجيل القادم بأمان. ووزير الرقمنة الألماني كارستن فيلدبرغر ربط الأمر صراحة بـ«السيادة التكنولوجية» عبر بناء قدرات بحثية متقدمة في كندا وأوروبا معًا. والبيان الرسمي الكندي يذهب أبعد: تثبيت البحث والكفاءات والبنية الحاسوبية داخل البلاد يقلل الاعتماد على أنظمة يسيطر عليها الخارج.

والتفاصيل التنفيذية تكشف أن الكلام ليس بلاغيًا. المشروع يُفترض أن يخلق 360 وظيفة بدوام كامل في كندا، وأن يبني بنية حوسبة سيادية مع شركتين محليتين هما «هايبرتك» و«5C». أي أن الدولتين لا تشتريان نتيجة بحثية، بل تشتريان موقعًا داخل سلسلة الإنتاج نفسها.

والإعلان يبني على تعاون ثنائي بين البلدين انطلق في فبراير الماضي، وهذا ما يجعله أكثر من مبادرة منفردة. حين تجتمع حكومتان من خارج الثنائي الأمريكي الصيني حول مشروع واحد، فما يُعلن ليس تمويلًا فحسب، بل محاولة لحجز مقعد ثالث في نقاش يجري عادة من دونهما.

ما الذي يعنيه هذا لمن يبني السيادة في المنطقة

بالنسبة لقارئ في الرياض أو أبوظبي أو القاهرة، الرسالة أدق مما تبدو. الحديث عن السيادة الرقمية في منطقتنا يُترجَم غالبًا إلى مراكز بيانات ورقائق وسعة حوسبة، وهي شروط ضرورية بلا شك. لكن ما فعلته أوتاوا وبرلين هو شراء حصة في الطبقة الأصعب: تعريف كيف يجب أن يتصرف النموذج أساسًا. من يملك القدرة على تقييم النماذج يملك عمليًا سلطة على معايير قبولها، ومن يكتفي باستيراد النموذج والمعيار معًا يبقى مستهلكًا مهما بلغت ميغاواطاته.

ما لم يُحسم بعد

يجب قول هذا بوضوح: المشروع ما زال في طور البحث. الأوراق المنشورة حتى الآن تعالج مفاهيم جزئية ولا تقدم ضمانات أمان شاملة، والتمويل الألماني نفسه يحتاج إلى إخطار المفوضية الأوروبية قبل أن يكتمل مساره. بعبارة أخرى، ما أُعلن هو رهان مموّل، لا منتج جاهز، وقد يفشل.

لكن حتى لو تعثر التنفيذ، فالإشارة السياسية وصلت: حكومتان قررتا أن أمان النموذج ليس ملفًا أخلاقيًا يُترك للمختبرات الكبرى، بل بند إنفاق سيادي يُدرج في الموازنة. وهذا وحده يغير السؤال الذي ينبغي أن تطرحه. ليس متى نحصل على النموذج، بل من يحدد متى يكون النموذج صالحًا للاستخدام عندنا.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد