مجمع حوسبة بقدرة خمسة غيغاواط وتبن يتجاوز 70 بالمئة: الإمارات تعيد صياغة الاقتصاد بالذكاء الاصطناعي
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
بدأ المسار في عام 2017 عندما استحدثت الإمارات منصباً وزارياً للذكاء الاصطناعي في خطوة بدت حينها غير مألوفة، لتنتقل التجربة اليوم إلى طور مؤسسي أعمق عبر تعيين 32 مستشاراً متخصصاً يعملون بجانب الوزراء على مدار الساعة لمراجعة السياسات والتشريعات وقياس الآثار الاقتصادية والمالية والبيئية للقرارات التنفيذية. هذا الانتقال من الإطار الوزاري الفردي إلى فرق التوجيه الميداني يعكس تحولاً في إدارة الموارد العامة، حيث لم تعد التقنية أداة اختبارية بل ركيزة مركزية تستند إلى استثمارات تجاوزت 543 مليار درهم حتى نهاية عام 2025، وفق بيانات شركة بي دبليو سي، بهدف تحقيق 335 مليار درهم من النمو الاقتصادي الإضافي بحلول عام 2031 ضمن الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي.
الأرقام تكشف قفزة نوعية في وتيرة الاستخدام الفعلي، بعدما سجلت البلاد معدل تبن بلغ 70.1 في المئة بين السكان في سن العمل خلال الربع الأول من عام 2026. هذا المؤشر الصادر عن تقرير ميكروسوفت لنشر الذكاء الاصطناعي يضع الدولة في المرتبة الأولى عالمياً كأول دولة تتجاوز حاجز السبعين في المئة، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 17.8 في المئة. وتظهر البيانات تصاعداً متسارعاً خلال فترة وجيزة، إذ ارتفعت النسبة من 59.4 في المئة في النصف الأول من عام 2025، إلى 64 في المئة في نصفه الثاني، وصولاً إلى مستواها الحالي في الربع الأول من العام الجاري، مدفوعة بالتوسع السريع في مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة والشراكات التقنية الدولية.
ولا يتوقف هذا الزخم عند حدود استهلاك الأنظمة، بل يمتد إلى بناء الأصول المعرفية محلياً. فقد أعلن معهد النماذج التأسيسية في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي خلال سبتمبر الجاري عن إطلاق ستة نماذج جديدة ضمن مشروع كيه 2 هورايزون، تتدرج سعاتها من نماذج حافة خفيفة يمكن تشغيلها على أجهزة ذات إمكانات محدودة، وصولاً إلى نموذج مؤسسي ضخم يضم 375 مليار معامِل مخصص للأعمال المعقدة. وتتكامل هذه القدرات البرمجية مع مشروعات البنية التحتية الضخمة، وعلى رأسها مجمع الذكاء الاصطناعي الإماراتي الذي يستهدف الوصول إلى طاقة حوسبية قدرها خمسة غيغاواط لمراكز البيانات، وهو ما يحرك قطاعات موازية تشمل إنتاج الطاقة وشبكات الاتصالات والإنشاءات الهندسية وخدمات الأمن السيبراني.
الاستجابة المؤسسية في القطاع الخاص واكبت هذا التوجه الحكومي، حيث أظهرت مسوح بي دبليو سي أن 85 في المئة من الرؤساء التنفيذيين في الإمارات يرون أن ثقافة مؤسساتهم تدعم تبني التقنية، بينما يمتلك 75 في المئة منهم خطط عمل واضحة لتطبيقها. وتتوزع مجالات الاستخدام بنسب متطابقة، إذ يوظف 45 في المئة من المسؤولين التنفيذيين الذكاء الاصطناعي في مجالات توليد الطلب مثل المبيعات والتسويق وخدمة العملاء، بينما يعتمد 45 في المئة عليه في خدمات الدعم والعمليات المساندة، ودمج 38 في المئة التكنولوجيا مباشرة داخل المنتجات والخدمات. كما أظهرت تقارير مجموعة بوسطن الاستشارية تقدماً في جذب الكفاءات المتخصصة، لترتفع نسبة إعلانات الوظائف التي تطلب مهارات الذكاء الاصطناعي من نحو 1 في المئة عام 2021 إلى 3.2 في المئة عام 2025، متجاوزة ثلاثة أضعاف، مع اقترابها من 10 في المئة في قطاعات التقنية والإعلام والاتصالات.
هذا التحول الهيكلي يفرض معطيات واقعية على صانعي القرار ومديري التقنية في الخليج ومصر وبلاد الشام. إذا كنت تدير فريقاً برمجياً أو تخطط لميزانيات البنية التحتية، فإن وجود مجمعات حوسبة بقدرة خمسة غيغاواط ونماذج تشغيلية محلية تصل إلى 375 مليار معامِل يمنح الشركات الإقليمية خيارات استضافة ومعالجة قريبة تكسر التبعية للمراكز البعيدة وتقلل زمن الاستجابة في التطبيقات الحساسة كالقطاع المالي والتجارة الرقمية. وفي الوقت ذاته، فإن استقطاب المهارات وارتفاع الطلب الوظيفي إلى عشر وظائف القطاع التقني يضع ضغوطاً متزايدة على كلفة استبقاء الكفاءات في مصر والشام، مما يفرض على الشركات المحلية الإسراع في تدريب كوادرها أو رفع سقف التعويضات لتفادي خسارة المطورين لصالح المشروعات الإقليمية الكبرى.
أرى في هذه التطورات تحولاً حاسماً ينقل الذكاء الاصطناعي من مجرد مبادرات تسويقية إلى محرك إنتاجي مقاس بالأرقام والسياسات. وجود 32 مستشاراً يقيمون الآثار المالية والبيئية على مدار الساعة يثبت أن استدامة هذا النمو ترتبط بضبط الأثر الاقتصادي الحقيقي ودمج المعالجة الحاسوبية في صميم اتخاذ القرار اليومي، لتتحول الحوسبة إلى مورد وطني يوجه الاستثمارات في الطاقة والاتصالات وسوق العمل.