دراسة لبيركلي ولندن للاقتصاد: مكاسب إنتاجية المطورين تقفز 32% في تقييمات الأسواق قبل الإحصاءات الرسمية
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
حين أطلق الاقتصادي روبرت سولو مقولته الشهيرة عام 1987 عن عصر الحواسيب، مشيرا إلى أن أثرها بات مرئيا في كل مكان باستثناء إحصاءات الإنتاجية، كان يصف فجوة زمنية استغرقت سنوات قبل أن تنعكس ثورة المعلومات في الأرقام الرسمية. واليوم، مع اقتراب الاستثمارات السنوية في الذكاء الاصطناعي من تريليون دولار بعد أقل من أربع سنوات على انطلاق النماذج اللغوية الكبيرة، يتكرر المشهد ذاته لدى الاقتصاديين الباحثين عن برهان ملموس على كفاءة الموظفين داخل الشركات. غير أننا حين نراجع دفاتر أسواق المال وإعلانات التوظيف، نجد أن الإشارة التُقطت مبكرا، كاشفة أن قطاع هندسة البرمجيات غدا أول ميدان تترجم فيه هذه المكاسب إلى أرقام صريحة.
سعت ورقة بحثية أعدها أليكس بلومنفلد من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وجوناثان هازل من كلية لندن للاقتصاد، بمشاركة اقتصاديين آخرين، إلى قياس هذا الأثر عبر مقارنة عوائد أسهم الشركات بمؤشر متخصص في الذكاء الاصطناعي بين نوفمبر 2022 وديسمبر 2025. وقام الباحثون بربط العوائد التي فاقت التوقعات أو انخفضت عنها بحجم إنفاق الشركات على أجور المبرمجين بعد عزل العوامل المؤثرة الأخرى. خلصت الورقة إلى أن الذكاء الاصطناعي رفع تقديرات السوق للقيمة الحالية لإنتاجية مهندسي البرمجيات بما يعادل زيادة دائمة بنسبة 32.6%، وهي قفزة نوعية تكشف كيف يسعر المستثمرون العائد المستقبلي لتطوير التطبيقات والأنظمة.
اعتمد البحث في نتائجه على فحص شركات تمثل البرمجيات عصبا رئيسا في نموذج عملها دون أن تكون هي السلعة المبيعة، مثل منصة التجارة الإلكترونية «إي باي»، وشركة تصنيع الإلكترونيات «سونوس»، ومنصات السفر «إكسبيديا» و«إير بي إن بي». ولعزل عامل الإنتاجية بدقة، استبعدت الدراسة شركات بيع البرمجيات وموردي سلاسل أشباه الموصلات. وتكرر النمط ذاته في قراءة مستقلة شملت عمالقة مستهلكين في آسيا مثل «كوبانغ» الكورية و«غراب» في جنوب شرق آسيا عند مقارنة أدائها بمؤشر روبو غلوبال للذكاء الاصطناعي، واعتماد نسبة شواغر المطورين كمؤشر بديل للأجور، بينما عكست حالة «سوني» تعقيدا إضافيا قد يجعل اعتمادها الحقيقي على هندسة البرمجيات يتجاوز التقديرات الأولية البالغة 12%.
تعيد هذه الأرقام ضبط العبارة التاريخية التي صاغها المستثمر مارك أندريسن عام 2011 حين أعلن أن البرمجيات تلتهم العالم، إذ باتت الشركات المرتبطة بالتقنية تشكل قرابة 95% من القيمة السوقية لأكبر عشر شركات عالمية. لكن كتابة الكود البرمجي تخضع لتحول جذري ينهي حقبة احتكار البشر لكل سطر برمجي، بعدما أوضح أندريسن أن تفويض 90% من كتابة التعليمات البرمجية لوكلاء الذكاء الاصطناعي يمنح المهندسين قدرة على مضاعفة إنجازهم بواقع عشرة أضعاف، ما ينقل عبء العمل من الطباعة الروتينية إلى التصميم والإشراف وتطوير المسارات المعقدة.
هذا التحول في تسعير إنتاجية المطورين يضع المؤسسات التقنية وفرق التطوير في الخليج ومصر والشام أمام حسابات مختلفة تماما لتكلفة المشاريع وسرعة التنفيذ. ففي بيئات العمل التي تتسابق فيها المصارف وشركات التقنية المالية والخدمات اللوجستية الإقليمية على رقمنة بنيتها الداخلية، تصبح إدارة الفرق على أساس عدد المبرمجين أو ساعات العمل التقليدية معيارا قاصرا. إن الارتفاع الدائم لقيمة كفاءة المهندس بنسبة تتجاوز ثلاثين بالمئة يعني أن الفريق الذي يستعين بالوكلاء في دورة البرمجة ينجز مهامه بفرق أصغر حجما وكلفة أقل، في حين تتحمل المؤسسات المتمسكة بالمسارات اليدوية فواتير تشغيل أعلى وتأخرا مستمرا في إطلاق ميزاتها التنافسية؛ فإذا أردت قياس كفاءة بنيتك البرمجية اليوم، انظر إلى وتيرة دمج الوكلاء لا إلى حجم الكود المكتوب باليد.
نرى في خاتمة هذا المشهد أن فجوة الإحصاءات الحكومية الرسمية لا تدل على غياب المكاسب، بل تؤكد أن التحولات الهيكلية تبدأ في غرف التطوير قبل أن تستوعبها المؤشرات الكلية. إن الأسواق المالية بدأت تعاقب البطء وتكافئ الشركات التي تعيد هندسة فرقها البرمجية لتستوعب قدرات النماذج التوليدية، مؤكدة أن أثر الذكاء الاصطناعي لم يعد رهنا بالنظريات، بل تحول إلى حقيقة إنتاجية تسبق السجلات الرسمية بسنوات.