معهد «إف آي آي» يرصد فجوة التوسع: 23% فقط من المؤسسات تنقل الوكلاء الأذكياء إلى حيز التشغيل
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
تكشف الأرقام الصادرة من الرياض عن مفارقة تحكم ميزانيات التقنية اليوم: الإنفاق المؤسسي على أنظمة الذكاء الاصطناعي يتجه لتسجيل 400 مليار دولار عالميًا خلال 2026 وفق تقديرات مؤسسة «آي دي سي»، ونحو 88% من الشركات أدخلت هذه الأدوات في وظيفة واحدة على الأقل بارتفاع عن 78% في عام 2024. غير أن الانتقال من منصات التجربة إلى العوائد التشغيلية الفعلية لا يزال يواجه عنق زجاجة حقيقيًا، إذ تظهر بيانات أبحاث «ماكنزي» الواردة في التقرير أن 23% فقط من المؤسسات نجحت في توسيع نطاق الوكلاء المستقلين داخل بيئة عمل واحدة، رغم أن 62% منها تخوض تجارب نشطة معها.
أطلق معهد مبادرة مستقبل الاستثمار تقريره الصادر ضمن ذراع الفكر تحت عنوان «تحويل الأعمال: الذكاء الاصطناعي في المؤسسات»، راصدًا انتقال التركيز الاستثماري من الإعجاب بالنماذج إلى إعادة هندسة مسارات التدفق اليومية. المعادلة لم تعد مرتبطة بتجربة النماذج، بل بقدرتها على خفض تكاليف التشغيل وبناء عوائد مالية قابلة للقياس المباشر. وتكشف مشاركات شركاء التقرير، وفي طليعتهم «بروكفيلد» و«جيه دي دوت كوم» و«فيزا»، أن الفارق بين التجارب المعزولة وتوليد القيمة يتطلب إعادة تصميم حوكمة البيانات ومستويات التفويض البشري.
في جانب إدارة الاستثمارات الضخمة، حددت «بروكفيلد» أكثر من 800 حالة استخدام مختلفة لأنظمة الذكاء الاصطناعي تخضع للتنفيذ في محفظتها، وأسست مكتبًا مخصصًا لتوليد القيمة يضم أكثر من 30 متخصصًا في مجالات الاستثمار والتشغيل والتقنية. وتتوازى هذه الرؤية مع التطبيق الصناعي الواسع لدى عملاق التجارة الصيني «جيه دي دوت كوم»، الذي أدخل خوارزميات الذكاء الاصطناعي في أكثر من 3000 سيناريو عملي يغطي سلاسل الإمداد، والتجزئة، والخدمات اللوجستية، وتوصيل الأغذية، والرعاية الصحية.
التحول الأبرز نحو الوكلاء المستقلين يظهر في قطاع المعاملات النقدية؛ إذ تدير شركة «فيزا» مئات النماذج داخل بيئات الإنتاج الحية لدعم ما يزيد على 100 منتج مالي. وتركز مساهمة الشركة على شرط حاسم يرافق انتقال الوكلاء من مجرد الإجابة عن الاستفسارات إلى إبرام عمليات شراء فعلية، وهو فرض سقوف مالية صارمة على الإنفاق، ووضع عتبات للموافقات، وتحديد صلاحيات دقيقة تمنع العمليات غير المصرح بها.
هذا الانضباط الرقابي يعكس مخاوف الميدان الأوسع، حيث تظهر أبحاث «ديلويت» الواردة في التقرير أن خصوصية البيانات والأمن السيبراني يشكلان الهاجس الأكبر لنحو 73% من المشاركين، تليها المخاطر القانونية والملكية الفكرية والامتثال التنظيمي بنسبة 50%. إن تحصين البنية التحتية لم يعد ترفًا تنظيميًا، بل العامل الذي يحدد تكلفة التشغيل ومرونة الأنظمة التقنية أمام التهديدات.
يرسم هذا المشهد استحقاقًا مباشرًا للمديرين التنفيذيين وقادة التقنية في أسواق الخليج ومصر؛ فالتحول من استهلاك النماذج العالمية إلى تشغيل الوكلاء داخل بيئات عمل الشركات يستدعي إعادة توزيع ميزانيات المشاريع. لم يعد التحدي في شراء اشتراكات النماذج اللغوية، بل في بناء فرق تشغيلية وحوكمة مالية داخلية تضع حدودًا لتحركات البرمجيات المستقلة قبل ربطها بقواعد البيانات الحساسة أو بوابات الدفع. من يبدأ اليوم بإلزام أنظمته بهياكل تفويض واضحة وحسابات عائد صارمة هو من يتجنب فخ الإنفاق المهدور الذي وقعت فيه تجارب السنوات الماضية.