ملاحقة تسريبات الذكاء الاصطناعي في غزة تكشف هشاشة الرقابة البشرية على خوارزميات الاستهداف
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
تحوّل التصفيق الحار الذي استمر خمسًا وعشرين دقيقة في مهرجان البندقية السينمائي الدولي إلى أزمة أمنية وسياسية داخل إسرائيل، بعدما طالب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بفتح تحقيق جنائي شامل ضد مصادر الفيلم الوثائقي «نازا». الفيلم، الذي نال جائزة لجنة التحكيم الخاصة، استند إلى شهادات أربعة وعشرين مبلّغًا عسكريًا من داخل الجيش، كشفوا فيها عن استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي في توجيه الضربات وتحديد الأهداف التي أودت بحياة مدنيين في قطاع غزة المحاصر.
الوثائقي استمد اسمه من اختصار عبري عسكري يُقصد به الخسائر المدنية المتوقعة في الغارات الجوية، وهو المصطلح المرادف للأضرار الجانبية. وتستند المادة الميدانية إلى روايات ضباط وجنود رفضوا الكشف عن هوياتهم، متهمين المؤسسة العسكرية بالاعتماد على أدوات برمجية متقدمة لتوليد بنوك الأهداف دون احتساب حقيقي لحياة السكان، في حرب بدأت في السابع من أكتوبر عام 2023 عقب هجوم قادته كتائب القسام وفصائل فلسطينية، وأسفرت حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 74 ألف فلسطيني، بينهم أكثر من 21 ألف طفل، وفق إحصاءات وزارة الصحة في غزة.
تحرك نتنياهو جاء عبر منصة «إكس» مساء السبت، حيث وجّه مطالب مباشرة إلى رئيس أركان الجيش ورئيس جهاز الأمن العام «الشاباك» والمستشارة القضائية للحكومة، لإطلاق ملاحقة قانونية ضد المشاركين في العمل، بتهم تشمل ارتكاب مخالفات أمنية خطيرة تتعلق بسرية المعلومات، والقذف الجنائي، والإضرار بمكانة إسرائيل الدبلوماسية والأمنية. وتزامن ذلك مع إعلان رئيس الأركان إيال زامير بدء تحقيقات في تسريب معلومات عسكرية سرية استخدمت في إنتاج الفيلم، ما يعكس تحوّل النقاش من ساحة التقييم التقني إلى معركة أمن دولة.
على الجانب الآخر، نفت المؤسسة العسكرية الشهر الماضي ادعاءات المبلّغين ووصفتها بالمتناقضة وغير المنطقية، مؤكدة أن اختيار الأهداف والموافقة عليها يظلان حكرًا على العناصر البشرية وفق التعليمات التشغيلية. لكن الجدل تجاوز البيانات الرسمية؛ إذ تعرّض مخرجا العمل، يوفال أبراهام وراشيل زور، لاتهامات بالخيانة وتهديدات بسحب الجنسية من نتنياهو ووزير الثقافة ميكي زوهار، بينما احتفت مديرة الدبلوماسية العامة تسيبي حوتوفلي بفيلم مضاد حمل عنوان «نازا: القصة الحقيقية» يستند إلى إفادات عسكرية تنفي الرواية الأصلية، في وقت أعلنت فيه 43 منظمة حقوقية إسرائيلية تضامنها مع صنّاع الوثائقي الأصلي ورفضها للتهديدات الموجهة ضدهم.
ما تكشفه هذه المعركة لا يقف عند حدود التوثيق السينمائي، بل يمس مباشرة صلب القرارات التقنية في منطقتنا. ففي الوقت الذي تتسابق فيه المؤسسات الحكومية والأمنية في الخليج ومصر والشام نحو دمج نماذج التحليل والتنبؤ الآلي في مراكز القيادة والعمليات الحساسة، تكشف تسريبات الفيلم أن مجرد الادعاء بوجود «عنصر بشري في حلقة القرار» لا يكفي لحماية المنظومات من الانزلاق. عندما تفرز الخوارزميات آلاف التوصيات في دقائق معدودة، يتحول التدقيق البشري إلى مجرد توقيع إجرائي شكلي يفتقر إلى القدرة العملية على المراجعة، وهو ما يفرض على مديري التكنولوجيا الإقليميين إعادة صياغة معايير تدقيق النماذج وسلاسل المسؤولية القانونية، بدلاً من الاكتفاء بالاعتماد على مخرجات الصناديق السوداء الجاهزة.
تحوّل الاتهام من دقة الخوارزمية إلى ملاحقة التسريبات يثبت أن البيانات الحساسة المحيطة بنماذج اتخاذ القرار ستبقى الجبهة الأكثر هشاشة في أي معمارية برمجية سيادية. راقب كيف يتصاعد الضغط القانوني عندما تنكشف طريقة عمل الأداة، واعلم أن حوكمة الذكاء الاصطناعي تبدأ من توثيق سجلات الاستدلال وتحديد المسؤولية الجنائية لكل قرار آلي قبل تشغيل النظام على أرض الواقع.