تخطَّ إلى المحتوى

«أنثروبيك» تكشف بنية تجسس تجارية استهدفت الخليج: النماذج اللغوية تتحول إلى أدوات تصنيف سياسي وحسابات اختراق

شارك المقال
«أنثروبيك» تكشف بنية تجسس تجارية استهدفت الخليج: النماذج اللغوية تتحول إلى أدوات تصنيف سياسي وحسابات اختراق
الصورة: Zulfugar Karimov / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

كشفت شركة «أنثروبيك» عن إغلاق حساب استُخدم لبناء منصة تجسس تجارية كانت ترصد مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي في منطقة الخليج وإيران، حيث تولت المنصة تصنيف الحسابات ديموغرافيًا وسياسيًا، وإنتاج تقارير استخباراتية باللغة العربية الفصحى تحاكي أسلوب المراسلات الحكومية الرسمية. وأوضحت الشركة في تقرير موسع حول حالات إساءة استخدام نماذجها أن هذا النشاط نفذته جهة استخبارات تجارية تحمل اسم «S2T Unlocking Cyberspace»، وهي شركة تشير المصادر المفتوحة إلى أنها إسرائيلية سنغافورية، ورجحت الشركة أنها كانت تطور حزمة أنظمة تجارية موجهة لعملاء ناطقين بالعربية في الخليج.

اعتمدت المنصة في تشغيلها على تغذية نموذج «كلود» بنحو 25 منشورًا في كل طلب، مع توجيه أوامر آلية لتحديد فئة صاحب المنشور ومحل إقامته وميوله السياسية، مع إرفاق درجة ثقة رقمية لكل استنتاج. وقسمت المنظومة المستخدمين إلى ست شرائح رئيسية شملت الفئات الحضرية والريفية والدينية والعسكرية والشبابية والمهاجرة، مع تصنيف كل فرد بين مؤيد للحكومة ومعارض لها. وتجاوز الاستغلال مرحلة المراقبة إلى توليد المحتوى، حيث كلف النموذج بصياغة منشورات بأسماء شخصيات وهمية بالفارسية والعربية والإنجليزية والألمانية، ووزعت التوجهات بين تأييد النظام الإيراني ومعارضته في الوقت نفسه، في توظيف مباشر للذكاء الاصطناعي لإدارة جانبي الاستقطاب معًا.

رصد التقرير مسارًا موازيًا ركز على صناعة مخزون رقمي يضم أكثر من 255 حسابًا وهميًا جرى تجهيزها للنشر عبر المنصات الاجتماعية، وصُنفت في شرائح دقيقة، من بينها شريحة وُصفت بأنها ذات طابع طائفي خليجي، وشريحة أخرى تنتحل صفة عمالة وافدة مقيمة في دولة الإمارات. وأعدت العملية وسومًا جاهزة تناولت قضايا إقليمية حساسة كالوجود العسكري الأمريكي في الخليج، بهدف منح الحسابات المصطنعة مظهرًا مقنعًا يسهل اختراق الأوساط المستهدفة. وتطابقت هذه المعطيات مع ما كشفه تحقيق استقصائي لشبكة «Forbidden Stories» في فبراير 2023 استند إلى كتيب تسويقي مسرب للشركة من الجيش الكولومبي، وثق استخدام حسابات مصطنعة للتسلل إلى مجموعات خاصة على تطبيقي «واتساب» و«تيليغرام»، وجمع بيانات أعضائها قبل الانتقال إلى التصيد الاحتيالي وزرع برمجيات التجسس داخل الهواتف.

يفرض هذا التحول إعادة ضبط لمعادلة التهديد الرقمي أمام المؤسسات والفرق التقنية في الخليج ومصر والشام. فشركات التجسس للإيجار لم تعد تقتصر على بيع الثغرات البرمجية الصامتة، بل باتت تستعين بالنماذج اللغوية كطبقة تشغيلية منخفضة التكلفة لأتمتة الهندسة الاجتماعية واختلاق الهويات الرقمية بلغة سليمة ومقنعة. هذا المعطى يسقط فاعلية أدوات الرصد التقليدية التي كانت تعتمد على اكتشاف الأخطاء اللغوية لتمييز الحسابات غير الأصيلة، ما يوجب على مسؤولي الأمن السيبراني وفرق الرصد المؤسسي في المنطقة التحول نحو تحليل السلوك الشبكي وتدقيق أنماط التفاعل غير المعتادة داخل مجموعات المراسلة المغلقة، بدل حصر المتابعة في الساحات العامة المفتوحة.

تضع هذه الحادثة كفاءة بوابات الأمان لدى مزودي النماذج الكبرى في ميزان الاختبار، حيث يثبت الإيقاف اللاحق للحسابات بعد بلوغها مرحلة التجريب المتقدمة أن واجهات البرمجة تظل عرضة للتوظيف في أنشطة استخباراتية حساسة. وبالنسبة لقطاع التقنية الإقليمي، يعزز هذا الواقع أهمية تسريع العمل على بنى تحتية حوسبية ونماذج سيادية تُدار محليًا، وتتيح إخضاع عمليات تدفق البيانات لقواعد فحص وتدقيق وطنية، مع وضع ضوابط تحد من قدرة الأدوات التجارية العابرة للحدود على تحويل الفضاء الرقمي العربي إلى مادة للمراقبة والفرز السياسي.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد