«فاتورة الشرائح الأمريكية: كيف تفرض واشنطن تفكيك الشبكات الصينية في مراكز بيانات الخليج؟»
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
عندما وافقت شركة «جي 42» في أبوظبي على تفكيك معدات تابعة لشركة «هواوي» بقيمة 150 مليون دولار والاستعانة بمدقق خارجي لإثبات خلو شبكاتها منها، شكّل ذلك خطوة تمهيدية لازمة لإتمام استثمار «مايكروسوفت» البالغ 1.5 مليار دولار في عام 2024. رصدنا في تلك الخطوة الملامح الأولى للمعادلة الصارمة التي تحكم اليوم طموحات البنية التحتية الرقمية في الخليج؛ فالوصول إلى أحدث معالجات الذكاء الاصطناعي الأمريكية بات مشروطاً بتجريد الشبكات الحيوية من التقنيات الصينية بصورة حاسمة.
تضع هذه المعادلة كلاً من الرياض وأبوظبي أمام موازنة دقيقة بين تدفقات رأس المال والتصنيع القادمة من بكين، وبين التبعية التقنية الإلزامية لواشنطن. تكشف بيانات النشرة الإحصائية للاستثمار الأجنبي المباشر الصيني لعام 2025 أن الاستثمارات الصينية المباشرة في الإمارات تجاوزت 12 مليار دولار، بينما واصلت التدفقات إلى السعودية نموها لتجعل المملكة ثاني أكبر وجهة لرأس المال الصيني في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ورغم أن مؤشر «إم بي إن» للقوى العظمى يضع البلدين بوضوح في المعسكر القريب من الولايات المتحدة بحكم الروابط الدفاعية التاريخية، فإنهما يتصدران المؤشر ذاته في التحوط الاستراتيجي والشراكة التجارية مع بكين.
هذا التوسع التجاري الصيني يمتد عبر مبادرة «طريق الحرير الرقمي»، التي أطلقتها بكين عام 2015 لتصدير شبكات الاتصالات ومراكز الحوسبة السحابية وأنظمة المراقبة. ففي الإمارات، قفزت مشاريع التقنية الصينية ستة عشر ضعفاً لتصل إلى 81 مبادرة نشطة تشمل عمالقة مثل «علي بابا» و«تنسنت» و«بايدو» و«دي جيه آي». وفي السعودية، تضاعفت المشاريع سبع مرات لتبلغ 56 مشروعاً، تتوزع بين الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة؛ حيث تملك شركتا «لونغي» و«جينكو سولار» حصصاً في محطات الطاقة الشمسية، وأسست «سينس تايم» مشروعاً مشتركاً بقيمة 206.5 مليون دولار مع الشركة السعودية للذكاء الاصطناعي.
تدرك العواصم الخليجية أن خفض تكلفة البنية التحتية الأولية يفقد جدواه إذا كان ثمنه الحرمان من سيليكون الحوسبة الفائقة. لذلك تبدو الحكومات مستعدة لتحمل تكلفة استبدال الأجهزة باهظة الثمن؛ إذ رفعت السعودية تعهداتها الاستثمارية في الولايات المتحدة من 600 مليون دولار إلى تريليون دولار في عام 2025. وفي يوليو، حصلت الإمارات على تصنيف المجموعة «إيه: 5» من وزارة التجارة الأمريكية، وهو امتياز مخصص للحلفاء المقربين يتيح استيراد التقنيات الأمريكية الخاضعة للرقابة دون تراخيص فردية مسبقة، بالتوازي مع بناء شركة «هوماين» السعودية المدعومة حكومياً مراكز بيانات عالية الأداء بالتعاون مع «إنفيديا» و«إيه إم دي» و«سيسكو» وفق اشتراطات التصدير الصارمة.
لكن هذا المسار لا يعني قطيعة تامة مع الصين، وإنما إعادة ترسيم لحدود التماس بين القطاعات. ففي شهر سبتمبر وحده، أعلنت «علي بابا كلاود» التوسع في خدمات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات داخل الإمارات، وأطلقت «تنسنت» مع «آنت إنترناشيونال» حلول مدفوعات رقمية عابرة للحدود في السعودية. وفي الرياض، دشنت «لينوفو» أول حاسوب محمول مصنع محلياً داخل منشأة مساحتها 200 ألف متر مربع، كجزء من اتفاقية بقيمة ملياري دولار مع شركة «آلات» التابعة لصندوق الاستثمارات العامة. يوضح ذلك أن الاستثمارات الصينية تجد مساحتها في التصنيع والمدفوعات، بينما تغلق أبواب خوادم الاستدلال والتدريب السيادي أمامها.
ما الذي يعنيه هذا التحول عملياً لقيادات التقنية ومديري البنية التحتية في الخليج؟ الواقع التشغيلي الجديد يفرض نهاية مرحلة الشبكات الهجينة غير المفروزة. إذا كنت تقود التحول الرقمي في مصرف، أو هيئة حكومية، أو مركز بيانات إقليمي يسعى لاستضافة نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، فإن معمارية أنظمتك ستخضع لتدقيق صارم في سلاسل التوريد. لن تكون المفاضلة مبنية على فرق السعر أو سرعة التوريد التي تتيحها المعدات الصينية، بل على كلفة الامتثال؛ فاختيار مزود غير متوافق مع الاشتراطات الأمريكية في شبكة النواة قد يحرم مؤسستك بالكامل من التراخيص، ويلزمك لاحقاً بإنفاق ملايين الدولارات لتفكيك الأجهزة وإعادة هيكلة بنيتك البرمجية من الصفر.
يبقى السؤال المفتوح أمام استراتيجيات «رؤية 2030» و«مئوية الإمارات 2071»: إلى أي مدى يمكن استيعاب رأس المال الصيني الصناعي دون استدعاء قيود رقابية إضافية من واشنطن؟ تظهر التجارب القائمة أن حيازة رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة تفرض ولاءً تقنياً لا يقبل الحلول الوسط في معمارية المعالجة الحساسة، بينما تواصل المنطقة استخدام ثقلها المالي وموارد طاقتها الضخمة لتأكيد موقعها كمركز ثقل عالمي لا يستغني عنه الطرفان.