استنساخ الموتى بالذكاء الاصطناعي يضع الحقوق الرقمية والتركات الفنية أمام مأزق الاستغلال الفوري
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
تجددت المعارك الأخلاقية والقانونية المحيطة بتوليد المحتوى الاصطناعي عقب رحيل الشخصيات العامة، بعد أن وجهت ستيلا بارتون، شقيقة المغنية الراحلة دولي بارتون، نداءً علنيًا دعت فيه المستخدمين وصناع المحتوى إلى التوقف عن نشر المواد الزائفة المولدة آليًا حول شقيقتها. وجاء النداء إثر تدفق مكثف من الأغاني والصور ومقاطع الفيديو الاصطناعية التي اجتاحت المنصات الرقمية فور إعلان الوفاة في الخامس والعشرين من أغسطس، ليعيد إلى الواجهة قضية استغلال التركات الإبداعية وتحويل مشاعر الفقد إلى وقود لتوليد المشاهدات والتفاعل الخوارزمي.
وشهدت المنصات انتشار تسجيلات صوتية تحاكي أداء مغنين معروفين دون إذنهم، من بينها مقطع نُشر على يوتيوب بصوت يحاكي مايلي سايروس حقق أكثر من مليون ونصف المليون مشاهدة، إلى جانب محاكاة لأصوات مثل سيلين ديون وبينك، فضلًا عن تداول صور مركبة شارك بعضها شخصيات سياسية كبرى. الاستغلال السريع للرحيل لم يعد سلوكًا فرديًا معزولًا، بل تحول إلى نمط مكرر واجهته عائلات شخصيات راحلة سابقة، مثل الممثل روبين ويليامز وروبرت ريدفورد والناشط مارتن لوثر كينغ الابن، حيث اصطدمت الأسر بطوفان من المواد المصنوعة بأدوات التوليد الآلي تسعى وراء التكسب اللحظي من الأحداث العامة.
وتعكس هذه الظاهرة مخاوف مبكرة كانت قد عبرت عنها بارتون نفسها في مقابلة تعود إلى عام 2023، حين أكدت أن تقنيات الذكاء الاصطناعي قد تخدم مجالات علمية وطبية، لكنها حذرت من استخدامها لاستبدال الكائنات البشرية أو استنساخ الأصوات والكتابات التي تشكل الإرث الإنساني الحقيقي. وتكشف الوقائع الحالية أن التحدي لم يعد تقنيًا يرتبط بدقة المحاكاة، بل صار يتعلق بغياب الضوابط الرادعة التي تحمي الهوية والصوت والصورة بعد الوفاة من إعادة التدوير التجاري غير المصرح به.
إعادة رسم إدارة التركات الرقمية باتت تفرض نفسها بصورة مباشرة على المشهد الإقليمي في الخليج ومصر والمشرق العربي. الشركات المتخصصة في الإنتاج الإعلامي، ودور النشر، ومديرو حقوق الملكية الفكرية للفنانين والمبدعين يجدون أنفسهم اليوم أمام ضرورة تحديث العقود القانونية لتشمل بنودًا صريحة تمنع تدريب النماذج التوليدية على الأرشيفات الصوتية والمرئية أو استنساخ الهويات بعد الوفاة دون تفويض ورثة الحقوق. كما أن مسؤولي الامتثال في المنصات وصناع المحتوى في المنطقة مطالبون بوضع معايير تدقيق صارمة على المواد التوليدية المرتبطة بالشخصيات الراحلة، لتجنب النزاعات القانونية ومخاطر انتهاك الخصوصية والتشويه الرقمي.
إن سهولة الوصول إلى أدوات توليد الصوت والصورة تجعل من الفراغ التشريعي حول حماية الشخصية الرقمية ثغرة مفتوحة للاستغلال التجاري، مما يدفع المؤسسات التنظيمية والاستشارية في العالم العربي إلى استباق هذه النزاعات بتطوير أطر لحماية الحقوق المجاورة، وفصل التكريم العفوي عن إعادة الإنتاج الخوارزمي غير المنضبط.