تخطَّ إلى المحتوى

خطة حوسبة بـ 860 مليون دولار سنوياً: مصر ترسم مسار الاستدلال الإقليمي وتتجنب سباق التدريب المكلف

شارك المقال
خطة حوسبة بـ 860 مليون دولار سنوياً: مصر ترسم مسار الاستدلال الإقليمي وتتجنب سباق التدريب المكلف
الصورة: Dario Morandotti / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت ليلى (Layla)

تضع مصر خطة استثمارية تسعى لسد الفجوة القائمة بين وفرة الكوادر الهندسية ومواقع إنزال الكابلات البحرية من جهة، والافتقار إلى قدرات الحوسبة المتقدمة المتاحة محلياً من جهة أخرى. وبحسب وثيقة صادرة عن وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، تستهدف الخطة إنفاقاً سنوياً يتراوح بين نصف مليار و860 مليون دولار على مراكز البيانات والبنية التحتية للحوسبة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، بدءاً من السنة المالية 2026/2027 وحتى نهاية العقد الحالي. ورغم أن هذا الرقم يمثل نحو عُشر نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أنه يشكل قراراً مالياً ذا وزن حقيقي في ظل إجراءات الضبط المالي التي تشهدها الموازنة العامة.

صياغة الخطة عبر ثلاث وزارات هي الاتصالات والكهرباء والاستثمار تكشف المعادلة الحاكمة: مراكز البيانات مشاريع طاقة في المقام الأول. فالشبكة الكهربائية التي خضعت لترشيد الأحمال خلال فترات الصيف الماضية تفرض حضور قطاع الطاقة في صلب التخطيط، في حين يعكس إشراك الاستثمار إدراك الدولة لعدم قدرتها على تمويل هذه المنشآت بمفردها. ويتوزع الإنفاق المستهدف على بناء سعات جديدة، وتطوير أمن البيانات والخصوصية، إلى جانب إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي في مجموعة مختارة من الشركات المملوكة للدولة، وهو المسار الأقل بريقاً والأكثر فاعلية على أرض الواقع.

وبالتوازي مع التمويل الحكومي، أصدر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات عشرة تراخيص لمراكز البيانات خلال العامين الماضيين، من بينها ترخيص المرحلة الأولى لمشروع تابع لمجموعة «حسن علام القابضة» بقيمة تقارب 400 مليون دولار. ويمثل هذا المشروع الاختبار الفعلي لمدى قدرة السوق على توليد طلب محلي وإقليمي كافٍ لتشغيل منشأة ممولة من القطاع الخاص. وعلى صعيد العتاد، تقدمت شركة «هواوي» بعرض يشمل نحو 1400 شريحة من طراز «أسيند» لمهام التدريب و600 شريحة لتشغيل النماذج، في حزمة تتجاوز ألفي معالج تُباع ككتلة حوسبة وطنية متكاملة على غرار محطات توليد الكهرباء.

المأزق التخطيطي الأبرز يكمن في غياب سجل وطني معلن يرصد حجم حوسبة الذكاء الاصطناعي المتاحة فعلياً وتكاليف تأجيرها ومعدلات إشغالها. فبناء استراتيجية تهدف إلى رفع مساهمة قطاع التكنولوجيا نحو ثمانية بالمئة من الناتج المحلي بحلول عام 2030، دون قاعدة بيانات دقيقة للسعات القائمة، يترك قرارات الإنفاق دون معيار قياس حقيقي. إن إنشاء سجل دوري لقدرات الحوسبة ورسوم استخدامها يوفر على الموازنة كلفة التخبط، ويوضح ما تحتاجه الشركات والباحثون داخل السوق بدقة.

تُظهر الوقائع أن المقارنة الشائعة مع مسار الإنفاق في الخليج تضلل التخطيط؛ فالخليج يمول مراكز الحوسبة من ميزانيات سيادية لا تطلب عائداً استثمارياً خلال خمس سنوات، بينما تدفع مصر ثمن كل معالج بالعملة الأجنبية وتقتطع كل ميغاوات من شبكة تواجه متطلبات حيوية أخرى. تتحدد ميزة مصر الواقعية في تقاطع كابلات الاتصالات الدولية بين أوروبا وآسيا، ومشاريع الطاقة المتجددة المستهدفة، وانخفاض كلفة الكفاءات الهندسية. هذه المقومات تجعل السوق مؤهلة لحوسبة الاستدلال الموجهة لخدمة أفريقيا وشرق المتوسط، ولأعمال معالجة البيانات وتجهيز النماذج، لا لبناء مجمعات ضخمة لتدريب النماذج التأسيسية التي تلتهم الميزانيات دون عائد موازٍ.

بالنسبة لمن يبني في مصر والمنطقة، يتحدد الأثر العملي في توفير سعات حوسبة واستدلال يمكن للمطورين والشركات الناشئة استئجارها بالجنيه المصري دون استنزاف مواردهم الدولارية في منصات سحابية خارجية. كما يفتح هذا التوجه مساراً لتوظيف الكوادر الهندسية المحلية في تكييف النماذج وتشغيلها وتجهيز البيانات بدلاً من الاكتفاء باستيراد الحلول الجاهزة. وسيتوقف نجاح هذا التحول على ظهور بند التمويل بوضوح في موازنة 2026/2027، وقدرة المشروعات الجديدة على جذب مستأجرين رئيسيين قبل تدشينها، ونشر حصر شفاف لما تملكه مصر بالفعل من قدرات حوسبة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد