الرهان على المعسكرين معًا: استراتيجية البنية التحتية الخليجية تجمع الرقائق الأمريكية والنماذج الصينية
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
تشير التقديرات السائدة في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي إلى انقسام العالم نحو معسكرين مغلقين: معسكر أمريكي تقوده شركات الحوسبة السحابية العملاقة ومختبرات النماذج الرائدة وشركة «إنفيديا»، ومعسكر صيني يمتلك نماذجه وقدراته الهندسية ومنظومته المتكاملة والمتصاعدة. غير أن الواقع الميداني في منطقة الخليج، وبخاصة في المملكة العربية السعودية، يكشف عن مسار مغاير، إذ لا تسعى دول المنطقة إلى استنساخ أي من النظامين البيئيين، بل تبني استراتيجيتها على أن تكون من بين المواقع القليلة في العالم القادرة على تشغيل المعسكرين معًا والاستفادة منهما في آن واحد.
تتجسد هذه الازدواجية بوضوح في تحركات شركة «هيوماين» المدعومة حكوميًا في الرياض. فالشركة تعتمد على التقنيات الأمريكية لبناء بنيتها التحتية الحوسبية، وتلتزم بعدم تدريب النماذج الصينية المتقدمة على قدرات الحوسبة المكتسبة عبر تراخيص التصدير الأمريكية، لكنها في الوقت ذاته تبقي شراكاتها مع المؤسسات الصينية مفتوحة. وقد كشفت الشركة خلال مؤتمر «ليب» في الرياض عن تقنية عربية مبنية على نموذج من شركة «ميني ماكس» الصينية. ويواكب ذلك التزام استثماري ضخم من شركة «أمازون ويب سيرفيسز» بقيمة 5.3 مليار دولار لمراكز البيانات داخل المملكة، يقابله توسع صيني مواز يتضمن بناء الذراع السحابية لشركة «بايت دانس» بنية تحتية في الرياض، وحصول «تنسنت كلاود» على ترخيص تشغيل سعودي، وتدشين «لينوفو» أول حاسوب محمول يحمل وسم «صنع في السعودية».
الذكاء الاصطناعي يشبه الصناعات الثقيلة أكثر من كونه مجرد برمجيات، فهو يتطلب مساحات شاسعة من الأراضي، وطاقة كهربائية هائلة، وتقنيات تبريد متقدمة، ورؤوس أموال ضخمة. وهنا تحديدًا تبرز الميزة التنافسية لدول الخليج التي تمتلك هذه الموارد إلى جانب المرونة الجيوسياسية. وتتجه استراتيجية المملكة إلى المنافسة ليس عبر ابتكار أفضل شريحة أو تدريب أضخم نموذج، بل من خلال امتلاك حصة متنامية من البنية التحتية المادية التي تعمل عليها نماذج الجميع، واستخدام حق الوصول إلى هذه المراكز لجذب الاستثمارات ونقل المعرفة وفرض شروط التوطين. ويتجسد هذا التوجه في مشروع شركة «داتافولت» التي تبني منشأة بقدرة 100 ميغاواط وتكلفة تقارب مليار دولار في «نيوم» مخصصة لتصدير قدرات الحوسبة، مع خطط لتوسيعها لتصل إلى 360 ميغاواط.
الحسابات الاستراتيجية تنطلق من معادلة واقعية: القيود الأمريكية تدفع الرياض نحو البدائل الصينية، والقصور الصيني في أداء النماذج الرائدة يعيدها نحو واشنطن. وفي المحصلة، يتنافس الطرفان على مورد يسيطر عليه الخليج بصورة متزايدة وهو البنية التحتية. فبينما تعامل واشنطن الرقائق كأداة للسياسة الخارجية، وتستغل بكين النماذج المفتوحة للنفاذ إلى أسواق تعجز أجهزتها عن دخولها، تتصرف دول الخليج كدول متأرجحة محورية ترفض الاختيار القسري وتستفيد من التنافس الدولي، مستنسخة خبرتها في تحويل موارد الطاقة التقليدية إلى أوراق نفوذ جيوسياسي، ولكن هذه المرة عبر وحدات الحوسبة ومراكز البيانات، في وقت تصعد فيه شركات رقائق صينية لتحدي هيمنة «إنفيديا»، مثل شركة «شنغهاي إنفليم تكنولوجي» التي تجاوزت طلبات الاكتتاب العام لأسهمها المعروض بنحو 6000 مرة.
التحول نحو البنية التحتية المزدوجة يترك أثرًا مباشرًا على قرارات التقنية والتكلفة في المنطقة العربية. بالنسبة للفرق الهندسية والمؤسسات في الخليج ومصر وبلاد الشام، يعني هذا النموذج أن قرارات البناء والتطوير لم تعد مقيدة ببيئة حوسبية غربية أحادية، بل صار متاحًا بناء معماريات هجينة تجمع بين النماذج الصينية المتقدمة ومراكز الحوسبة السحابية الكبرى. ويتعين على مديري التقنية في الشركات الإقليمية استيعاب متطلبات الامتثال التنظيمي بدقة، حيث يفرض الفصل الصارم بين استخدام الرقائق الأمريكية وتدريب النماذج الصينية تدقيقًا منهجيًا في سلاسل الإمداد وتراخيص البرمجيات. كما أن تصدير قدرات الحوسبة مباشرة من مشاريع كبرى في المنطقة مثل «نيوم» يتيح للشركات خفض زمن الوصول والاعتماد على مراكز بيانات محلية قريبة، مع ضرورة تأهيل الكوادر التقنية للتعامل مع بيئات سحابية متعددة الموردين.
يكشف هذا المسار عن صياغة جديدة لقواعد اللعبة التكنولوجية، حيث لا يستقر العالم على كتلتين معزولتين، بل يفتح الباب أمام قوى إقليمية توظف مواردها المادية وموقعها الاستراتيجي لربط سلاسل الإمداد الغربية بالقدرات الشرقية دون خضوع لشروط طرف واحد.