تخطَّ إلى المحتوى

«إنسايت بارتنرز» في مواجهة حشود السيولة: لماذا لا تكفي الهيمنة على مختبرين لحماية عوائد الاستثمار الجريء؟

شارك المقال
«إنسايت بارتنرز» في مواجهة حشود السيولة: لماذا لا تكفي الهيمنة على مختبرين لحماية عوائد الاستثمار الجريء؟
الصورة: Saketh / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت ليلى (Layla)

في وقت تدفقت فيه قرابة نصف أموال الاستثمار الجريء العالمية خلال النصف الأول من هذا العام نحو مختبرين رئيسيين فقط هما «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، اختارت شركة «إنسايت بارتنرز» التي تدير أصولاً بقيمة تسعين مليار دولار التمسك بنهج التنويع ورفض حصر المحفظة في قمة هرم الذكاء الاصطناعي التوليدي. يرى الشريك الإداري في الشركة ديفين باريخ، الذي شارك في قيادتها على مدى ستة وعشرين عاماً، أن تسويق بعض الصناديق الجديدة لنفسها بناء على تخصيص ما بين خمسة وثلاثين إلى أربعين بالمئة من رأسمالها لشركة واحدة من هذين المختبرين يمثل مقامرة قصيرة النظر، مؤكداً أن تاريخ عوائد رأس المال الجريء عبر آفاق زمنية طويلة يثبت أن الأداء المستدام يتغذى على توزيع المخاطر، لا سيما حين تدار الاستثمارات بمنظور الصندوق الثالث عشر وما يليه، وليس بمنطق الصندوق الواحد.

تكتسب هذه الرؤية ثقلها من تشخيص دقيق للخلل الراهن في تسعير المخاطر؛ إذ تعود التقييمات في أسواق الاستثمار الجريء إلى وتيرة الصعود السريعة التي شهدها عام 2021 دون وجود ضمانات مقابلة. يوضح باريخ أن الجولات التمويلية المتتالية باتت تتحرك بسرعة فائقة تحرم المستثمر من جمع بيانات تشغيلية تراكمية حقيقية، ما يجعله يدفع سعراً مضاعفاً دون أن تنخفض نسبة المخاطرة على الإطلاق. دخول الجولات اللاحقة دون بيانات تشغيلية إضافية يعني دفع سعر أعلى مقابل مخاطرة لم تنخفض، والاستجابة المنطقية لهذا المأزق هي العودة إلى المراحل المبكرة بضخ شيكات تتراوح بين عشرين وخمسة وعشرين مليون دولار، ثم مضاعفة الرهان بقوة على الشركات التي تثبت جدواها التشغيلية، تماماً كما فعلت الشركة في استثماراتها المبكرة في «ويز» أو منصة وكلاء الذكاء الاصطناعي للمؤسسات «واندرفول» التي قفزت تقييماتها إلى خمسة مليارات دولار في غضون أقل من عامين.

المعضلة الكبرى التي تشهدها صناعة الاستثمار اليوم لا تكمن في مضاعفة التقييمات الدفترية، بل في غياب التوزيعات النقدية الفعلية لشركاء التمويل المحدودين، وهو ما سيهدد بقاء الصناديق الناشئة التي تعجز عن جمع رؤوس أموال جديدة لافتقارها إلى السيولة الموزعة. يشدد باريخ على ضرورة تسييل المواقع الاستثمارية وإعادة رأس المال الأصلي إلى المستثمرين حتى لو استمرت أسهم المختبرات الكبرى في الصعود، مشيراً إلى أن شركته أعادت أكثر من عشرين مليار دولار لشركائها عبر صفقات بيع استراتيجية وطروحات عامة خلال العامين الماضيين، ومنها بيع شركة الأمن السيبراني «آرميس» إلى «سيرفس ناو» بمبلغ سبعة مليارات دولار. وينصح باريخ مؤسسي الشركات الناشئة بعدم الانخداع بنشوة التقييمات المتصاعدة؛ إذ لا يمكن لأي شركة بقيمة أربعين مليار دولار أن تواصل النمو بمعدل خمسين بالمئة كل شهرين دون أن تصبح بحجم الاقتصاد العالمي بأسره، ما يفرض بيع حصص ثانوية تتراوح بين عشرة وعشرين بالمئة عند ذروة السوق لتأمين العوائد وحماية الكيانات من تصحيح سعري قادم لا مفر منه. توزيع السيولة النقدية الفعلية يظل المعيار الحاسم لبقاء الصناديق وتأمين ثقة المستثمرين الكبار على المدى البعيد.

يمتد هذا التحفظ المنضبط أيضاً إلى تقييم ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي الفيزيائي؛ حيث يعتبر باريخ شركات الروبوتات والذكاء المجسد مجرد مشاريع علمية قيد الاختبار حتى الآن، تفرض رهاناً مركباً على توقيت تبني الروبوتات من جهة وعلى حتمية هذا التبني ذاته من جهة أخرى، مفضلاً المراقبة الحذرة على الاندفاع المبكر. وفي المقابل، تترقب الأسواق موجة طروحات عامة يقودها طرح «أنثروبيك» التي بات حجمها يفوق شركة «سيلزفورس» بعد أربع سنوات فقط من تأسيسها، بالتزامن مع طروحات مرتقبة لشركتي «سبيس إكس» و«أوبن إيه آي» بتقييمات تتجاوز حاجز التريليون دولار، وهي تحولات ستخضع نمو قطاع النماذج لمعايير الأسواق العامة الصارمة حين تبدأ وتيرة المضاعفات الخيالية بالتباطؤ. كما يشير التوزيع الجغرافي للخبرات إلى أن البنية التحتية الأساسية للحوسبة لا تزال محصورة في سان فرانسيسكو، بينما تتوزع الكفاءات المتخصصة في التطبيقات العمودية، مثل التقنيات المالية والقانونية، عبر مدن وعواصم مختلفة حول العالم. الرهان على تطبيقات القطاعات المتخصصة يمنح مرونة جغرافية لا توفرها البنية التحتية الخام.

هذا التحول في حسابات المخاطر والسيولة يفرض استحقاقات مباشرة على المشهد الاستثماري والتقني في الخليج ومصر والمشرق العربي. فعلى صعيد مكاتب العائلات وصناديق الاستثمار المؤسسية في الرياض وأبوظبي والكويت، يقدم هذا الطرح دليلاً عملياً لفرز مديري الأصول العالميين الذين يطلبون حصصاً تمويلية، عبر رفض المركبات الاستثمارية التي تفرط في تركيز رأسمالها على النماذج الفائقة عند قمم التقييم، وتفضيل الصناديق التي تثبت قدرتها على توليد التوزيعات النقدية واسترداد الأصل. أما على مستوى فرق البرمجة ومؤسسي الشركات الناشئة في دبي والقاهرة وعمّان، فالرسالة واضحة: بناء المنظومات الموجهة لقطاعات الأعمال المتخصصة والحلول العمودية يظل الخيار الأجدى والأقل كلفة مقارنة بالمحاولات الباهظة لمنافسة البنية التحتية الأساسية أو القفز نحو الروبوتات الفيزيائية المعقدة، مع ضرورة التحوط بتأمين السيولة النقدية التشغيلية مبكراً بدل الركون إلى تقييمات دفترية قد تتبدد سريعاً مع أول حركة تصحيح في أسواق رأس المال العالمية.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد