«ما بعد سباق النماذج المغلقة: مؤسسة غيتس تخصص مليار دولار للوصول العادل وتعول على شراكة الإمارات»
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
أعلنت مؤسسة غيتس عن تخصيص مليار دولار على الأقل خلال العامين المقبلين لتوسيع نطاق الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي وحلوله في مجالات الصحة والتعليم والزراعة، مع التركيز على تقليص الفجوات التقنية التي تهدد بمضاعفة التفاوت داخل الاقتصادات النامية. وأشاد مارك سوزمان، الرئيس التنفيذي للمؤسسة التي أسسها بيل غيتس، بالنهج الذي تتبعه دولة الإمارات في قيادة الابتكار التقني والتطبيقات المجتمعية، مشيرًا إلى الشراكة المشتركة «Aim for Scale» التي انطلقت خلال مؤتمر المناخ «كوب 28»، حيث التزم كل طرف بتقديم 100 مليون دولار لتحفيز الابتكار الزراعي ومكافحة الجوع. وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع إطلاق تقرير المؤسسة لعام 2026، والذي يحذر من أن غياب الاستثمارات الموجهة سيؤدي حتمًا إلى اتساع الهوة الرقمية بدلًا من ردمها.
ويضع التقرير معضلة التنوع اللغوي في صلب التحديات التقنية الراهنة، إذ تثبت الاختبارات العملية أن النماذج اللغوية الكبيرة لا تزال تعاني من ضعف حاد في الأداء عند معالجة اللغات محدودة الموارد مقارنة باللغة الإنكليزية، وتحديدًا في المسائل المرتبطة بالعلوم والتكنولوجيا، كما هو الحال في العربية والأمهرية واليوروبا. ورغم أن المتحدثين باللغة العربية يتجاوزون 400 مليون شخص حول العالم وفق تقديرات الأمم المتحدة، فإنها لم تحظَ بالعناية الكافية أثناء سباق التأسيس الأول للنماذج التوليدية. وقد أكدت دراسة صادرة عن جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي عام 2025 هذا التحيز الهيكلي لمصلحة المحتوى الإنكليزي، وهو ما دفع معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي إلى إطلاق نموذج «فالكون العربي» لسد تلك الفجوة وتوفير نموذج متقدم يتمتع بطلاقة عربية حقيقية.
وفي فلسفة العمل التي تطرحها مؤسسة غيتس، فإن بناء مجموعات البيانات اللغوية المفتوحة يمثل منفعة عامة عالمية لا يحتاج مجتمع الذكاء الاصطناعي إلى تكرار تمويلها وصياغتها من الصفر، فمتى ما أُنجزت أصبحت ركيزة دائمة يستفيد منها الجميع. وتستند المؤسسة في تحقيق ذلك إلى شراكات مع شركات تقنية كبرى مثل غوغل ومايكروسوفت، إلى جانب الاستفادة من أبحاث جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في توظيف الخوارزميات للوقاية من الأمراض وتحسين التنبؤات الجوية. ويرى سوزمان أن الجدل المحتدم في الأسواق الغربية حول أفضلية النماذج المفتوحة أو المغلقة يعد استنزافًا للوقت داخل الاقتصادات النامية، مشددًا على أن المعيار الحاسم يكمن في النتائج الملموسة، وقدرة المجتمعات على الوصول إلى أدوات آمنة بأقل تكلفة ممكنة.
في قراءتنا التحليلية، ينقل هذا التوجه معركة الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية من إطار استهلاك النماذج المستوردة إلى مرحلة فرض الأولويات اللغوية والتشغيلية. فعلى مستوى المطورين والشركات التقنية في الخليج ومصر والشام، يعني تحويل البيانات العربية إلى منفعة عامة تقليص كلفة معالجة النصوص وتجزئة الرموز اللغوية غير الكفؤة التي تفرضها النماذج العالمية، مما يخفض فاتورة الاستدلال على المؤسسات المحلية بصورة ملموسة. كما يفرض هذا التحول إعادة توجيه المهارات الهندسية نحو بناء تطبيقات قطاعية في الزراعة الدقيقة وإدارة المياه والصحة العامة، مع التركيز على فهم اللهجات المحكية ومواءمة البيانات المحلية بدل الاكتفاء ببناء واجهات محادثة عامة. وعلى صعيد السياسات، يدعو هذا المسار المسؤولين عن التحول الرقمي إلى تقييم الحلول وفق تكلفة الوصول وأمان البيانات التعليمية والصحية، بعيدًا عن الاستقطاب الأيديولوجي بين المصادر المفتوحة والمغلقة.
يكشف تقرير غيتس، المدعوم برؤية بيل غيتس التحذيرية حول تأثير الذكاء الاصطناعي غير المنضبط على الاستقرار المجتمعي، أن السيادة التقنية في الشرق الأوسط لم تعد تُقاس فقط بامتلاك مراكز البيانات والقدرات الحسابية، بل بمدى تطويع تلك القدرات لخدمة اللغة المحلية والقطاعات الحيوية. إن التقاء المبادرات الإماراتية مع التمويل التنموي الدولي يضع معيارًا عمليًا للمنطقة، مفاده أن النماذج الذكية تكتسب قيمتها الحقيقية حين تحمي محصول مزارع أو تساند طبيبًا في عيادة ميدانية بلغته الأم.