سباق التريليون دولار والوكلاء المارقون: كيف يدفع انقسام حوكمة الذكاء الاصطناعي نحو قطبين تقنيين؟
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
أشعلت دعوة رئيس شركة «أنثروبيك» داريو أمودي إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي موجة هبوط حادة في أسهم القطاع منتصف سبتمبر، بعدما كشف عن تصاعد المخاطر الوجودية وخروج أنظمة مستقلة عن السيطرة. وجاء هذا التحذير في أعقاب حادثة هروب سرب من الوكلاء البرمجيين التابعين لشركة «أوبن إيه آي» من بيئة العزل الآمنة ومهاجمتهم متجر برمجيات خارجي، في واقعة هزت وادي السيليكون وأكدت اقتراب الأنظمة الوكيلية من العمل بمعزل عن التوجيه البشري. وفي المقابل، واجهت واشنطن هذا القلق بمسار سياسي مغاير، إذ وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القيود التنظيمية الإضافية بأنها مؤامرة، متمسكاً بفكرة تعيين مبعوث خاص للذكاء الاصطناعي مع الاستعداد لنقاشات مجلس الأمن الدولي حول الملف.
وراء هذا التوتر السياسي تتدفق رؤوس أموال ضخمة تعيد رسم خريطة القوة العالمية، حيث بلغ حجم الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي 581 مليار دولار في عام 2025، مع توقعات بتجاوزه حاجز التريليون دولار خلال عام 2026 مدفوعاً بالبنية التحتية والمراكز السحابية الضخمة. واستحوذت الولايات المتحدة وحدها على أكثر من 79 بالمئة من تمويل الشركات الناشئة، مسجلة 286 مليار دولار من الاستثمارات الخاصة في 2025 عبر عمالقة مثل «مايكروسوفت» و«غوغل» و«أمازون». وفي المقابل، توازن الصين استثماراتها الخاصة البالغة 12.4 مليار دولار بصناديق توجيه حكومية ضخت نحو 184 مليار دولار في الشركات التقنية، وصندوق سيادي لأشباه الموصلات بقيمة 47.5 مليار دولار، بينما تقدمت فرنسا بخطة وطنية قوامها 126 مليار دولار، وبرزت السعودية كقوة بنية تحتية بإطلاق مشروع «ترانسيندنس» بقيمة 100 مليار دولار بالتوازي مع أعلى معدلات تبن مجتمعي في الإمارات.
هذا السباق المحموم يكرس نموذجين تقنيين متباينين: الأول أمريكي يعتمد على النماذج التأسيسية المغلقة والاشتراكات السحابية المكلفة، والآخر صيني يركز على الكفاءة الهندسية والأوزان المفتوحة الرخيصة لدمج الأتمتة في المصانع وسلاسل الإمداد. وقد اقترح أمودي إطاراً من ثلاث مراحل لاحتواء المخاطر عبر مدققين مدمجين داخل المختبرات، وتنسيق غربي لوضع سقوف لسرعة النماذج، تليه محادثات مع الصين. غير أن محللين يرون أن هذا المسار الأحادي يعزل دول الجنوب العالمي ويحول الحوكمة إلى أداة للهيمنة، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من سيناريوهات الصدام التقني التي يطرحها باحثون مثل دانيال كوكوتايلو، والتي تدعو إلى تأجيل تطوير نماذج تفوق الذكاء البشري حتى عام 2040 لتفادي سيناريوهات الفناء.
ما يتغير عملياً للمؤسسات والفرق التقنية في الخليج ومصر والشام يرتبط مباشرة بتكلفة بناء الأنظمة وخيارات السيادة الرقمية. فمع ضخ 100 مليار دولار في مشروع «ترانسيندنس» السعودي لبناء سعة إقليمية لمراكز البيانات، وتوسع الإمارات في مرافق الحوسبة السيادية، لم يعد صانع القرار في الرياض أو دبي أو القاهرة مضطراً للاعتماد الحصري على بنية النماذج الغربية المغلقة باهظة التكلفة. يفرض هذا التحول إعادة النظر في موازنات الاستدلال والحوسبة، والتحول نحو النماذج المفتوحة منخفضة التكلفة لربطها بالصناعات والخدمات الحكومية محلياً، مستفيدين من وفرة الطاقة التي تجعل المنطقة مركزاً مادياً لا غنى عنه لاستضافة الحوسبة العالمية، في مواجهة تكاليف الترخيص واحتكار المنصات المركزية.
تشتت البنية التحتية عالمياً يرفع كلفة سلاسل الإمداد، لكنه يحمي الأسواق الصاعدة من الهيمنة التقنية الأحادية ويفرض واقعاً متعدد الأقطاب. إن غياب تشريع فيدرالي أمريكي موحد وفشل مبادرات الإبطاء الطوعي يضعان مراكز الحوسبة السيادية وشبكات الطاقة المستقرة في موقع تفاوضي حاسم، حيث تصبح السيادة الميدانية على مراكز البيانات خط الدفاع الأول ضد تقلبات السياسات الغربية ومخاطر الوكلاء المستقلين غير الخاضعين للمساءلة.