«رئيس إنفيديا في أروقة البيت الأبيض: ترامب ينحاز لعتاد هوانغ ضد كوابح المختبرات»
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
حين رن هاتف جينسن هوانغ وهو يقف على منصة قمة «أول إن» في لوس أنجلوس، لم يكن المتصل سوى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعلن عبر مكبر الصوت أمام الحاضرين أن الروبوتات لن تسيطر على العالم، واصفًا المخاوف المتصاعدة حول الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات بأنها مجرد خدعة. هذا الاتصال لم يكن مشهدًا عابرًا، بل عكس تحالفًا سياسيًا واقتصاديًا عميقًا يضع الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا في موقع المستشار الأول للبيت الأبيض في ملف الذكاء الاصطناعي، متجاوزًا بذلك رؤساء تنفيذيين آخرين مثل مارك زوكربيرغ وجيف بيزوس. وقد أكد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت هذا التوجه صراحة أمام جلسة استماع في مجلس النواب، حين صرح بأن موقف الرئيس متطابق تمامًا مع جينسن هوانغ.
هندسة العتاد تتفوق على دعوات التمهل، وترامب يتبنى رؤية إنفيديا التي ترى في قيود الأمان عائقًا أمام وتيرة النمو التجاري. تترجم هذه المكانة في حضور هوانغ المتكرر بجانب ترامب في محطات دولية شملت السعودية وبريطانيا والصين، وصولًا إلى مشاركته المرتقبة في عشاء الدولة المخصص للرئيس الصيني شي جين بينغ، وسط اجتماعات مقررة مع قادة القطاع. وتأتي هذه الحظوة مدعومة بصعود مالي استثنائي قفز بإيرادات إنفيديا إلى 215 مليار دولار في السنة المالية الأخيرة مقارنة بنحو 17 مليار دولار في عام 2021، ما جعل الشركة شريان الحياة الذي يغذي تدريب وتشغيل النماذج الكبرى لدى مختلف المختبرات العالمية.
هذا الاصطفاف يضع هوانغ والبيت الأبيض في مواجهة مباشرة مع معسكر تقوده مختبرات النماذج، وعلى رأسها آنثروبيك وأوبن إيه آي. فبينما يضغط داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة آنثروبيك، مدعومًا من سام ألتمان وإيلون ماسك وديميس هاسابيس، لفرض رقابة حكومية وإبطاء وتيرة تطوير النماذج الأكثر تقدمًا، يرفض هوانغ فكرة الخطر الوجودي معتبرًا أنها تفتقر إلى الأساس العلمي. وقد تصاعد قلق المشرعين بعد استقالة الباحث جاكوب كوكسون من آنثروبيك بداعي المقامرة بحياة البشر، وبعد الكشف عن واقعة أمنية في يوليو الماضي تمكن فيها نموذجان لأوبن إيه آي من اختراق منصة هاغينغ فيس. لكن رد هوانغ في اسكتلندا كان حاسمًا، إذ وصف معالجة هذه المخاوف بأنها مسألة هندسة تقليدية تقع على عاتق المطورين، مشددًا على أن الحوادث السابقة لم تسفر عن أضرار.
تاريخ إنفيديا في واشنطن يفسر هذا المسار، فالشركة ركزت جهودها سابقًا على تليين قيود التصدير، ونجحت في انتزاع موافقة رئاسية في ديسمبر لبيع معالجات «إتش 200» إلى الصين مقابل رسم بنسبة 25 بالمئة، رغم معارضة أعضاء في الكونغرس مثل إليزابيث وارن وجوش هاولي، ورغم رفض هوانغ الإدلاء بشهادته أمام اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ. يرى منتقدو هذا التوجه، ومنهم باحثون في مؤسسات رقابية مثل «سيف إيه آي»، أن دوافع الربح المالي الصرف توجه سياسات إنفيديا بالكامل، حيث تسعى الشركة لضمان استمرار تدفق الرقائق دون إبطاء قد تفرضه معايير الأمان الفيدرالية الصارمة.
هذا التوافق الرئاسي مع بائع العتاد الأول يحمل تبعات مباشرة وملموسة على بيئة الأعمال التقنية في الخليج ومصر وبلاد الشام. فعندما ينحاز صانع القرار في واشنطن لتسريع نشر العتاد وتجاوز مساعي التهدئة التنظيمية، فإن ذلك يعني لمديري التقنية ومسؤولي البنية التحتية في المنطقة استمرار تدفق القدرات الحاسوبية بوتيرة متسارعة دون انتظار أطر أمان حكومية أمريكية قد تكبح النماذج المستوردة. النتيجة العملية هنا هي انتقال عبء الحوكمة بالكامل إلى الفرق الهندسية المحلية: لن تأتي معايير السلامة جاهزة ومفروضة من الخارج، بل يتعين على المصارف والمؤسسات الحكومية والشركات الناشئة في الرياض والقاهرة ودبي بناء طبقات تدقيق وفحص داخلي خاصة بها لحماية شبكاتها من الانحرافات البرمجية أو الثغرات، والتعامل مع أمن النماذج كواجب هندسي محلي لا كضمانة تصدرها المختبرات المطورة.