فاتورة حوسبة الذكاء الاصطناعي تقود جوجل إلى حقول الأرز: مليون وحدة كربون مدعومة بالرادار ونماذج الأرض
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
تكشف الصفقة التي أبرمتها شركة جوجل لشراء مليون وحدة كربون من شركة «ميتي لابس» الهندية حتى عام 2030 عن الوجه الخفي لسباق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ففي وقت تندفع فيه الشركات التقنية الكبرى نحو توسيع مراكز البيانات وتكثيف قدرات المعالجة، تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع التزاماتها المناخية المعلنة. وتعد هذه الاتفاقية، الممتدة لأربعة أعوام، أضخم صفقة معلنة لخفض انبعاثات غاز الميثان في قطاع زراعة الأرز، حيث تغطي نحو 100 ألف هكتار في ولايات كارناتاكا وأندرا براديش وتيلانجانا في ذروة تشغيلها، دون الكشف عن قيمتها المالية.
وراء هذا التوجه تكمن حقيقة تشغيلية ضاغطة: قفزت انبعاثات غازات الدفيئة لدى جوجل بنسبة 18 في المئة على أساس سنوي في عام 2025 لتصل إلى نحو 14.5 مليون طن متري من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، نتيجة التوسع المكثف في بنية الذكاء الاصطناعي التحتية. هذا الارتفاع وضع التزام الشركة بالوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2030 في مأزق عملي، مما دفعها قبل عام إلى مفاوضة الشركة الناشئة بحثًا عن وحدات كربون تستند إلى قياسات فيزيائية دقيقة وقابلة للتوسع، وتضمنت عملية التقييم تدقيقًا في تقنيات المراقبة وزيارات ميدانية للمزارع قبل إبرام العقد.
تعتمد الشركة المطورة، التي تأسست عام 2023 وتتوزع مكاتبها بين نيويورك وبنغالورو، على منصة ذكاء اصطناعي جغرافي تدمج صور الرادار الفضائي ذي الفتحة الاصطناعية بدقة تراوح بين 50 سنتيمترًا و10 أمتار من أقمار صناعية عامة وتجارية، مع قياسات حقلية وبيانات محلية لتدريب النماذج على تتبع نمو المحاصيل ورطوبة التربة وفترات غمر الحقول عن بعد. وتقوم المبادرة على دفع مبالغ مالية للمزارعين لتعديل أساليب الري وتقليل فترات بقاء الحقول مغمورة بالمياه، وهو ما يقلص انبعاثات غاز الميثان بنحو 50 في المئة ويخفض استهلاك مياه الري بنسبة 40 في المئة دون الإضرار بحجم المحصول. ووفق بيانات الشركة، فقد أسهمت مشاريعها في توفير أكثر من 500 مليار لتر من المياه خلال عامين، وتتعاون مع أكثر من 100 ألف مزارع مع استهداف الوصول إلى الملايين بحلول نهاية العقد، بينما تصدر الوحدات باعتماد هيئتي «غولد ستاندرد» أو «آيزومتريك» وبمراجعة مستقلة من طرف ثالث.
أرى في هذه الصفقة تحولًا صريحًا من شراء شهادات التعويض الورقية غير المؤكدة إلى الاعتماد على منصات القياس الرادارية ونماذج الذكاء الاصطناعي للتحقق من الأثر على الأرض. وتندرج هذه الخطوة ضمن محفظة أوسع لجوجل في الهند، شملت شراء 100 ألف طن من وحدات إزالة الكربون القائمة على الفحم الحيوي مع شركة «فاراها» في مطلع 2025، إلى جانب استثمارات طاقة شمسية بقدرة 300 ميغاوات في راجستان لمعالجة انبعاثات سلاسل الإمداد، بينما تخطط «ميتي لابس» للتوسع نحو الفلبين وإندونيسيا مستهدفة سوقًا يضم نحو 150 مليون مزارع أرز في آسيا.
يحمل هذا المعطى دلالة مباشرة لمديري البنية التحتية والمطورين في الخليج ومصر والمشرق، حيث تتسارع وتيرة بناء مجمعات مراكز البيانات السحابية واستقطاب مسرعات الحوسبة. فلم يعد التوسع في قدرات الذكاء الاصطناعي معزولًا عن تكلفة الامتثال البيئي وسلاسل الطاقة، وسرعان ما ستواجه المشروعات الإقليمية معايير تدقيق وتوثيق دولية شبيهة بما تطلبه «آيزومتريك» لإثبات سلامة سلاسل الحوسبة. وعلى جانب رواد الأعمال وفرق الهندسة، تبرز منصات الاستشعار الراداري والذكاء الاصطناعي الجغرافي كأداة حيوية لقطاعات الزراعة وإدارة الموارد المائية الشحيحة، سواء في حوض النيل أو مشاريع استصلاح الأراضي في الخليج، مما يفتح مسارًا لتحويل ترشيد المياه وخفض الانبعاثات إلى أصول كربونية موثقة تشتريها شركات التقنية العالمية لتعويض شراهة معالجاتها.