تخطَّ إلى المحتوى

بين تشدد «فايننشال تايمز» وبراغماتية الخليج: أدوات التحرير الذكية تعيد رسم المسؤولية المهنية في غرف الأخبار

شارك المقال
بين تشدد «فايننشال تايمز» وبراغماتية الخليج: أدوات التحرير الذكية تعيد رسم المسؤولية المهنية في غرف الأخبار
الصورة: Brett Jordan / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

تفتح النقاشات المتصاعدة حول دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في الصحافة مرحلة جديدة من الاعتراف المهني، متجاوزة مرحلة الإنكار التي سادت بعض المؤسسات الإعلامية التقليدية. فبينما واجهت صحيفة «فايننشال تايمز» جدلا واسعا بعد اكتشاف استخدام الخبير الاقتصادي في جامعة هارفارد ريكاردو هوسمان للذكاء الاصطناعي في تكثيف مسودة مقال له، مما دفع الصحيفة لإصدار توضيح يؤكد حظر هذه الأدوات في عمليات الكتابة، تبنت صحيفة «وول ستريت جورنال» موقفا أكثر مرونة حين دافع المستثمر الأمريكي ستانلي دروكنميلر عن استعانته بالذكاء الاصطناعي لكتابة مقال انتقد فيه وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، مقارنا الأداة بالآلة الحاسبة التي لا تخجل مستخدمها.

هذا التباين في المعايير التحريرية الغربية ينعكس مباشرة على تجارب الصحفيين في المنطقة، مثل فرانك كين المحرر المتجول في منصة «إيه جي بي آي»، الذي يرى أن التحدي الحقيقي لم يعد في طرح سؤال هل استعان الكاتب بالذكاء الاصطناعي، بل في تحديد الجهة المسؤولة عن الفكرة والتحقق والتدقيق. فالأدوات التوليدية أصبحت حاضرة في البحث اليومي وتدقيق الأرقام وتلخيص المقابلات وتفكيك الحجج واقتراح الأسئلة، إلى جانب المساعدة في صياغة الجمل الأولية، شريطة ألا تتحول إلى بديل عن التفكير النقدي أو مصنع لاختلاق الوقائع والهلوسات.

المسؤولية التحريرية لا تقاس بالجهد العضلي لطباعة الكلمات بل بالقدرة على ضبط الحقيقة وحمل تبعات المحتوى المنشور. وفي هذا السياق، لم تعد مسألة استخدام التقنيات مسألة مستحدثة، إذ شهدت غرف الأخبار تحولات تاريخية مماثلة منذ الانتقال من الآلات الكاتبة وأشرطة الحبر والإملاء الهاتفي إلى المعالجات الحاسوبية، حيث كان ينظر إلى كل نقلة تقنية بريبة مبدئية قبل أن تستقر كأداة إنتاج أساسية. وتظهر الممارسة العملية أن النماذج الذكية تحمل بصمات أسلوبية مكررة تتطلب تدخلا بشريا صارما، كالميل لتكرار صيغ نفي متبوعة بإثبات، وحشد الحجج في مجموعات ثلاثية، والإفراط في علامات الترقيم المستوردة.

وعلى الصعيد الإقليمي داخل الإمارات والخليج، تكشف الملاحظات الميدانية في غرف الأخبار الناطقة بالإنجليزية عن تحول ملموس في جودة النصوص. فالعديد من هذه المنصات يعتمد على كوادر صحفية ليست الإنجليزية لغتهم الأولى، وتمتلك مهارات تحقيق رفيعة لكنها كانت تعتمد لسنوات على مفردات وأساليب موروثة من التقاليد الصحفية في جنوب آسيا. ومع دخول أدوات التدقيق والصياغة الذكية، تراجعت تلك الخصائص اللغوية لمصلحة نصوص محررة بدقة وانسيابية أعلى، دون أن يمس ذلك جوهر العمل الميداني والتقصي الخبري.

ما يتغير فعليا للمؤسسات الإعلامية والكوادر التحريرية في الخليج ومصر والشام هو انتقال القيمة المهنية من مهارة الصياغة الإنشائية المجردة إلى عمق التحقق والامتثال التحريري. فالحظر الشامل، على غرار ما تفرضه بعض الصحف الدولية، يصطدم بواقع تشغيلي يتجه نحو رفع الإنتاجية وسد الفجوات اللغوية. وفي الوقت الذي تتهيأ فيه الفعاليات الإعلامية الإقليمية، مثل قمة الإعلام العربي، لمناقشة التهديدات الوجودية المزعومة للذكاء الاصطناعي على الصحافة، يجد المحرر العربي نفسه أمام استحقاق بناء سياسات واضحة تفرق بين الأتمتة الكاملة المرفوضة والمساعدة الذكية المنضبطة التي تحافظ على الأصالة وتضمن دقة البيانات.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد