من التراخيص إلى إعادة بناء العمل: لماذا تضع «آي بي إم» الحوكمة قبل وكلاء الذكاء الاصطناعي في السعودية
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
ليس السؤال الذي تطرحه المؤسسات السعودية اليوم هو أي أداة ذكاء اصطناعي ستشتري، بل ما الذي يجب تغييره كي تعمل تلك الأداة داخل أعمالها فعلاً. هذا هو الخط الذي رسمه محمد علي، نائب الرئيس الأول ورئيس «IBM Consulting»، في حديثه إلى «الشرق الأوسط» على هامش «ليب 2026» في الرياض: الانتقال إلى مؤسسة تعمل بالذكاء الاصطناعي على نطاق واسع يبدأ من العمليات والبيانات والحوكمة، لا من توزيع تراخيص جديدة على الموظفين.
البيانات ليست تفصيلاً تقنياً بحسب علي، لا تزال جاهزية البيانات من أكبر عوائق التوسع، لأن كثيراً من المؤسسات لم تُبنَ تاريخياً بحيث تغذي بياناتها أنظمة الذكاء الاصطناعي مباشرة. المطلوب، في وصفه، هو استخراج البيانات وإتاحتها بصيغة تستطيع الأنظمة استخدامها، ثم إعادة هندسة العملية نفسها كي يعمل الإنسان والقدرات الرقمية في نموذج تشغيلي واحد. هذه نقطة مهمة لأن شراء نموذج أو واجهة محادثة لا يغيّر تلقائياً طريقة اتخاذ القرار أو تدفق العمل داخل المؤسسة.
المادة تفرّق بين مسارين لا يصح الخلط بينهما. «طيران الرياض» بدأ من بيئة جديدة، بعيداً عن عقود من الأنظمة الموروثة، واستخدم «IBM Consulting Advantage» ووكلاء ذكاء اصطناعي في بناء البرمجيات والتعامل مع المتطلبات الجديدة. وتقول المقابلة إن الذكاء الاصطناعي يستخدم هناك أيضاً في خدمة العملاء والعمليات الميدانية والتخطيط المالي. أما المؤسسة القائمة، فمشكلتها مختلفة: لا تبدأ من صفحة بيضاء، بل من تطبيقات وبيانات تراكمت عبر سنوات.
تحديث ما تحت الأداة لهذا استشهد علي بعمل «IBM» على تحديث مئات التطبيقات لدى «stc»، وإعادة هيكلتها لكشف الواجهات البرمجية وإتاحة البيانات اللازمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وتناول أيضاً استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي للعمليات، أو AIOps، لتحليل المعلومات التشغيلية في البنية التحتية للشبكات. الرسالة هنا عملية: إذا بقيت الواجهات والبيانات والعمليات غير مهيأة، فإن إضافة طبقة ذكية فوقها لن تحل العقدة الأساسية.
وتزداد حساسية المسألة عندما تتحول الوكلاء من معالجة وثائق إلى العمل قرب المنشآت الصناعية والبنية التحتية. يضع علي تدخل الإنسان ضمن التصميم، ويقول إن بعض القرارات لن تُترك لعملية مؤتمتة تعمل وحدها. لا يقدم ذلك بوصفه تردداً في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل بوصفه تحديداً مقصوداً للمهام التي يمكن للنظام تنفيذها وتلك التي تتطلب مراجعة بشرية.
الرؤية تتحول إلى ضبط للتكلفة والمخاطر في تجربة «IBM Consulting» التي نقلها علي، تُدار نحو 6 آلاف وكيل ذكاء اصطناعي عبر طبقة موحدة، وكان 35 وكيلاً يعملون في الوقت نفسه لحظة الحديث. ويشرح أن الحوكمة تمنح الإدارة قدرة على معرفة ما يقوم به الوكلاء، ومتابعة الاستخدام والمخاطر والتكلفة. هذا يضع الحوكمة قبل التوسع: ليست خطوة امتثال تلحق بالمشروع، بل شرط لمعرفة ما إذا كانت الموارد تُستهلك في عمل ذي قيمة أم لا.
للمنطقة، وتحديداً للفرق التي تبني أو تشغّل أنظمة المؤسسات في السعودية، يضيف هذا الطرح معياراً أوضح للمهارة المطلوبة. لا يكفي أن يعرف الموظف استخدام تطبيق جاهز، بل يحتاج إلى التعامل مع البيانات وتطوير الأنظمة وإعادة بناء العمليات. وفي هذا السياق، قال علي إن «IBM» تسعى إلى توسيع برامج المهارات من نحو 500 ألف سعودي إلى مليون مستفيد في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مع مركز أُنشئ بالتعاون مع جامعة الباحة ويضم طلاباً وكفاءات محلية تعمل على مشروعات مرتبطة بالاقتصاد السعودي.
الخلاصة ليست أن كل مؤسسة يجب أن تتبع نموذج «طيران الرياض»، فالمقابلة نفسها تؤكد أن بناء شركة جديدة وتحديث مؤسسة قديمة مشكلتان مختلفتان. لكنها تقدم اختباراً مفيداً قبل إطلاق أي وكيل: هل البيانات قابلة للاستخدام، وهل العملية أعيد تصميمها، وهل تستطيع الإدارة أن ترى ما يفعله النظام وتضبط مخاطره وتكلفته؟ من دون هذه الإجابات، تبقى التجربة أداة إضافية، لا تحولاً تشغيلياً.