حين لا يكون الذكاء الاصطناعي دليلاً: حوار مع إكرام حول الاستدلال الهجين في علوم التراث
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
دراسة منشورة حديثاً عن قطعة نقدية بريطانية مشوهة من عام 1834 تطرح سؤالاً أوسع من علم المسكوكات: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في البحث، من دون أن يتحول إلى بديل عن الدليل؟
البحث، الذي نُشر في مجلة npj Heritage Science، درس قطعة من فئة الـSixpence تعود إلى عهد ويليام الرابع. لم يكن الخلاف حول غرابة شكلها، بل حول مصدر التشوه: هل وقع أثناء سكّها، أم بعد ذلك بفعل ضرر أو ضغط أو تآكل؟ خلصت الدراسة إلى أن القياسات المادية تجعل تفسير شذوذ شديد في مرحلة السك هو الأكثر اتساقاً مع الأدلة، مع إبقاء احتمال ضغط لاحق مقيد احتمالاً لا يمكن استبعاده كلياً.
هذه الصياغة الحذرة مهمة. فالقصة ليست «ذكاء اصطناعي حلّ لغزاً»، ولا «مختبر أثبت رواية جاهزة». إنها مثال على مسار بحثي بدأ بفرضيات متعددة، ثم أخضعها لقياسات مستقلة، وانتهى إلى نتيجة محددة بحدود ما تسمح به الأدلة.
عُثر على القطعة داخل ألبوم عملات مختلط اشتُري دفعة واحدة من سوق للمستعملات في مانشستر الكبرى. والرقم «£8» المكتوب بخط اليد على غلافها لا يمثل سعرها ولا قيمتها اليوم، فهي لم تُشترَ منفردة. وتُحفظ القطعة في مجموعة خاصة لا يُكشف عن صاحبها، ولا توجد حالياً أي عملية بيع علنية لها. وللتوثيق، حصل المشروع في مارس 2026 على تقييم تأميني مستقل من مثمّن معتمد في المملكة المتحدة، وقيمته غير معلنة.
اعتمد المشروع على تحليل SEM-EDX في Experimental Techniques Centre بجامعة Brunel University London، وعلى القياس البصري ثلاثي الأبعاد لدى Oxford Materials Characterisation Service بجامعة Oxford. وكانت هذه خدمات تحليلية بتكليف مستقل، ولم يكن العاملون فيها ولا مؤسساتهم مؤلفين مشاركين في الدراسة. أما تفسير ما تعنيه النتائج بالنسبة إلى تاريخ القطعة، فيبقى مسؤولية الباحث وحده ولا يمثل تأييداً مؤسسياً لاستنتاجه.
من الملاحظة إلى السؤال القابل للاختبار
يقول أ. إكرام، الباحث المستقل في المملكة المتحدة ومؤسس IA STUDIO، وهي مبادرة مستقلة لعلوم التراث، إن الفحص البصري وحده لم يحسم التفسيرات المتنافسة. فقد رجحت تقييمات أولية مبنية على الصور ضرراً وقع بعد السك، ثم فحص مختص القطعة باليد قبل الاختبارات ولم يقبل تفسير السك. في المقابل، رأى إكرام في خصائص القطعة ما يستحق اختبار بدائل أخرى، فقرر الاحتكام إلى أدلة من القطعة نفسها بدلاً من ترجيح أي رأي.
وبدلاً من التعامل مع أي رأي أولي بوصفه النتيجة النهائية، فصل المشروع بين ثلاث طبقات: ما يمكن ملاحظته، وما يمكن افتراضه، وما يحتاج إلى اختبار. تحولت الصور وتوثيق التشوهات إلى أسئلة عن التركيب الكيميائي، وهندسة السطح، واتجاهات الإزاحة، والمعقولية الميكانيكية.
هنا يظهر دور الذكاء الاصطناعي في صورته الأكثر انضباطاً: تنظيم الملاحظات، ومقارنة الفرضيات، وكشف التناقضات، والمساعدة في بناء أسئلة أدق. لكنه لم يفحص القطعة، ولم ينتج قياسات المختبر، ولم يحسم الاستنتاج العلمي.

حوار خاص مع أ. إكرام
يسعد «همسات الذكاء الاصطناعي» أن تنشر هذا الحوار الخاص مع أ. إكرام، الذي خصّها بإجاباته عن رحلة المشروع من الملاحظة الأولى إلى القياس المخبري، وعن الحدود التي رسمها لدور الذكاء الاصطناعي فيها.
ما الذي جعل الفحص العلمي ضرورياً؟
يرى إكرام أن جوهر المشكلة كان عجز التقييم البصري عن حسم التفسيرات المتنافسة. لذلك انتقل البحث من التصوير وتوثيق السمات الظاهرة إلى قياسات غير إتلافية مستقلة، هدفها اختبار ما إذا كانت خصائص القطعة القابلة للقياس تضيّق نطاق الاحتمالات، من دون الانحياز إلى فرضية مفضلة.
ما الفرضيات التي كانت مطروحة قبل الاختبارات؟
شملت الاحتمالات تشوهاً أثناء السك، أو ضرراً لاحقاً ناجماً عن صدمة أو ضغط أو تآكل أو مزيج من هذه العوامل. ويقول إن الخطوة الحاسمة كانت الفصل بين الملاحظة والفرضية والاختبار: ما الذي نراه فعلاً، وما الدليل المادي الذي قد يميز بين تفسير وآخر؟
أين أفاد الذكاء الاصطناعي، وأين توقف دوره؟
يقول إكرام إن الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي ساعدته في تنظيم الملاحظات، ومقارنة التفسيرات، وتحدي افتراضاته، من دون أن تُعامل بوصفها دليلاً. استخدم نماذج لغوية كبيرة وأدوات متعددة الوسائط متاحة تجارياً، إلى جانب مساعد بحثي للأدبيات والمقارنة. وبدأ هذا العمل قبل توفر قياسات المختبر، وتوثقه سجلات معاصرة سابقة لها، ثم استُخدمت الأدوات نفسها بعد صدور النتائج في تنظيمها ومقارنتها وفي إعداد المخطوطة. لم تنتج هذه الأدوات قياسات SEM-EDX أو القياس البصري، ولم تحدد الاستنتاج النهائي؛ بقي الحكم العلمي مسؤولية الباحث ومقيداً ببيانات القطعة نفسها.
كيف غيرت القياسات المستقلة الفرضيات الأولية؟
ضيقت النتائج نطاق التفسير، لكنها لم تؤكد ببساطة تشخيصاً سابقاً تشكّل بمساعدة الذكاء الاصطناعي. فقبل الاختبارات شمل العمل الاستكشافي تصورات ميكانيكية أوسع وأكثر تفصيلاً، واضطر إلى مراجعتها في ضوء الخصائص المقاسة. تدعم البيانات مجتمعة تفسير تشوه شديد في مرحلة السك أكثر من الاهتراء أو التآكل أو صدمة لاحقة غير مقيدة واحدة. لكنها لا تسمح بإعادة بناء كل خطوة ميكانيكية بيقين، وهو ما يفسر احتفاظ الدراسة بتحفظها العلمي.
ماذا تعني الرقابة البشرية الفعلية؟
يرى إكرام أن الرقابة تبدأ قبل صدور أي ناتج من النموذج: من اختيار السؤال، وفصل الملاحظة عن الاستنتاج، والتحقق من المصادر، ورصد الافتراضات التي تحتاج إلى اختبار مستقل. والأهم الاستعداد لرفض تفسير يبدو جذاباً إذا لم تسنده الأدلة. ويلخص ذلك بقوله إن الغاية عملية تسمح للذكاء الاصطناعي بأن يخطئ ويُراجَع ويُصحَّح، ويبقى مع ذلك مفيداً.
ما الذي اختلف في البحث مع الذكاء الاصطناعي؟
تغيرت السرعة والقدرة على تنظيم المادة ومقارنة المسارات البحثية. أما ما لم يتغير فهو الحاجة إلى فحص مادي صحيح، وقياسات موثوقة، ومصادر قابلة للتحقق، ولغة صريحة عن عدم اليقين. ويؤكد أن الفرضيات التي يساعد الذكاء الاصطناعي في توليدها يجب أن تظل مؤقتة وقابلة للتصحيح.
ما الفرق بين الخدمة التحليلية والتفسير والتأييد المؤسسي؟
التمييز واضح: المختبرات أنتجت قياسات مادية مستقلة، والباحث يفسر دلالتها، ولا ينبغي اعتبار مشاركة مرافق Brunel أو Oxford تأييداً مؤسسياً للاستنتاج النهائي. وبالمثل، لا يجوز نسبة القياسات الفيزيائية إلى الذكاء الاصطناعي لمجرد استخدامه في تنظيم التفكير.
من حالة واحدة إلى إطار
صار المشروع 001 الحالة التأسيسية لإطار «الاستدلال الهجين» الذي صاغته IA STUDIO في إصداره 1.1 في يناير 2026، ثم أُودع له سجل أرشيفي ثابت في مستودع Zenodo في أكتوبر 2026. ويقول إكرام إن الإطار صيغ بعد أن بدأ التحقيق، فلا يدعي أن الإصدار 1.1 حكم كل مراحله السابقة، وإنه إطار إجرائي لا يرتبط بنموذج ذكاء اصطناعي بعينه. يميز الإطار بين أربعة أدوار: القياس المخبري، والدليل الوثائقي، والدعم التفسيري الحاسوبي، والتفسير البشري النهائي. ويقر السجل نفسه بأن الإطار لم يخضع بعد لتحقق منهجي محكّم عبر حالات متعددة، وأن تفاصيل تطبيقه الأدق محفوظة لبحث لاحق.
ويقول إكرام إن عرضاً أولياً للمشروع نُشر في مدونة الأبحاث التابعة للجمعية البريطانية للمسكوكات (British Numismatic Society) عام 2025 بعد اكتمال العمل المخبري، وإن الورقة المحكمة الصادرة في سبتمبر 2026 هي الرواية العلمية المعتمدة اليوم: احتفظت بتفسير السك الأساسي، وضبطت إعادة بناء آلية التشوه.
الدرس الأوسع
الدرس هنا يتجاوز قطعة نقدية واحدة. مع انتقال الذكاء الاصطناعي إلى مجالات البحث التطبيقي، تصبح قيمة المنهج في قابليته للتتبع والمساءلة: ما الذي لوحظ؟ ما الذي افتُرض؟ ما الذي قيس مستقلاً؟ ومن يتحمل مسؤولية التفسير؟
هذا هو جوهر الاستدلال الهجين كما يقدمه المشروع: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون مفيداً في التفكير، لكنه لا ينبغي أن يتنكر في هيئة دليل.
ملاحظة تحريرية: الصورتان مقدمتان من A. Ikraam / IA STUDIO ومنشورتان بإذنه لأغراض هذه التغطية، وتبقى حقوقهما له.