عثرات السياق المحلي تجبر «جست إيت» على سحب صور الطعام المولدة بالذكاء الاصطناعي
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
اعتذرت منصة طلب وتوصيل الطعام «جست إيت» بعد موجة سخرية واسعة طالتها على شبكات التواصل الاجتماعي، إثر استخدامها صورا مولدة بالذكاء الاصطناعي لقوائم طعام بعض المطاعم الشريكة، في تجربة كانت تستهدف تغطية الأطباق التي تفتقر إلى صور تسويقية لكنها تحولت سريعا إلى معرض أطباق سريالية أثارت دهشة المستهلكين. المنصة الرقمية التي تعتمد على تسريع رقمنة القوائم، وجدت نفسها في مواجهة عاصفة من الانتقادات بعدما عجزت خوارزميات توليد الصور عن استيعاب خصوصية مسميات الأطباق المحلية ومفرداتها اليومية.
النتائج كشفت عن فجوة صارخة بين النماذج التوليدية وفهم السياق الثقافي والمحلي للأطعمة؛ إذ تحول طبق خبز الصودا مع البيض واللحم المقدد في مقهى بمدينة بلفاست إلى بيض مطهو وشرائح لحم تطفو داخل كأس من مشروب الكولا الغازي، بعدما خلطت الخوارزمية بين مفهوم «خبز الصودا» والمشروبات الغازية. وفي مدينة مانشستر، أدى توصيف شطيرة البطاطس المقرمشة المعروفة شعبيا باسم «تشيب مافن» إلى توليد صورة لحلوى المافن محشوة بأصابع البطاطس المخبوزة داخل العجين نفسه. وتوالت السقطات البصرية لتحول لفائف الجبن والخبز إلى قطع سوشي مصنوعة من ألواح الجبن الخالص، بينما أظهرت صور طبق بطاطس الفلفل والملح بهيئة باهتة تفتقر إلى البصل والثوم والفلفل الحار، وبلغ الارتباك ذروته حين تسبب خطأ إملائي في قائمة طعام طبعت فيها كلمة «سادة» بحروف كلمة «طائرة» بالإنجليزية، في قيام النموذج برسم رغيف خبز بالثوم يتخذ هيئة طائرة كاملة بأجنحتها.
أمام سيل التعليقات الساخرة عبر منتدى المنصة على «ريديت» وحسابات «إنستغرام»، أعلنت «جست إيت» البدء في إزالة الصور غير الدقيقة ووقف توليد صور جديدة حتى استكمال تطوير التقنية وضبطها. وأوضحت متحدثة باسم الشركة لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» أن المنصة تعمل مع عشرات الآلاف من المطاعم الصغيرة لدعم تصوير أطباقها بتمويل مصورين محليين محترفين، لكنها قررت اختبار الصور المعززة بالذكاء الاصطناعي لمعالجة القوائم التي تفتقر للصور، مشيرة إلى أن التقنيات الناشئة لا تصيب الصواب دوما في تجاربها الأولى. ورغم هذا التراجع الرسمي، ظلت بعض تلك التصاميم الغريبة معروضة على القوائم الحية داخل التطبيق، وحملت وسما يوضح أنها مولدة آليا، وهو ما لم يشفع لها أمام المتسوقين.
الأزمة تتجاوز السخرية العابرة لتكشف اصطدام كفاءة الأتمتة المفرطة بجوهر الثقة التجارية. فالمنصات الكبرى تسعى إلى تقليص تكلفة تأهيل المطاعم وتسريع إدراج الوجبات دون انتظار الجلسات الفوتوغرافية الميدانية، لكن نقل عبء التمثيل البصري إلى نماذج لا تفهم خلفيات الأطعمة يقوض أساس التجارة الإلكترونية؛ إذ أوضح مستهلكون علقوا على التجربة أن العميل يقرر الشراء بناء على مطابقة الصورة لما سيتسلمه على مائدته، وأن النسخ الآلية المصطنعة لا تقود سوى إلى خيبة الأمل لحظة استلام الوجبة الفعلية، حتى وإن صُنفت الصورة بأنها نتاج ذكاء اصطناعي.
لهذا التراجع دلالات تشغيلية وتنظيمية بالغة الأهمية لمن يدير منصات التجارة وخدمات التوصيل في الخليج ومصر والمشرق العربي؛ فالسباق الإقليمي المحموم لضم آلاف المطابخ السحابية والمتاجر الشعبية يدفع فرقا تقنية كثيرة إلى استسهال التوليد الآلي لخفض تكاليف الإنتاج المرئي. غير أن المخاطر في أسواقنا تبدو أشد حدة نظرا لاتساع رقعة اللهجات المحلية وتعدد المسميات الشعبية للوجبات التقليدية مثل «المطبق» و«المسخن» و«الحواوشي»؛ وأي نموذج بصري يعتمد ترجمات عامة أو يتجاهل التفاصيل الدقيقة للأطباق سيقع في المطب ذاته، محولا كتالوجات البيع إلى ساحة تضليل تسويقي ترفع معدلات إلغاء الطلبات والنزاعات الاستهلاكية وتستنزف السمعة المؤسسية للعلامة التجارية.
التوفير في ميزانيات التصوير عبر الوكلاء التوليديين يتحول سريعا إلى خسارة فادحة في قيمة العلامة وولاء العملاء. ما تثبته تجربة «جست إيت» هو أن مسارات الأتمتة تتطلب بوابات تدقيق بشري صارمة ونماذج مستوعبة للهجات المحلية قبل الدفع بها نحو واجهات المستهلك، فالآلة قادرة على رسم أطباق خيالية في ثوان، لكنها عاجزة عن إدراك الفارق الجوهري بين ثقافة الرغيف ومشروب الصودا.