تخطَّ إلى المحتوى

نموذج فلينت يختبر التحسين الذاتي للذكاء الاصطناعي ببرمجة حرة على الحواسيب المحمولة

شارك المقال
نموذج فلينت يختبر التحسين الذاتي للذكاء الاصطناعي ببرمجة حرة على الحواسيب المحمولة
الصورة: Goran Ivos / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

يبدأ اختبار التحسين الذاتي للذكاء الاصطناعي من شاشة الحاسوب المحمول، بعيدا عن خوادم الحوسبة السحابية المغلقة. أطلقت شركة «ريكيرسيف» (Recursive) نموذجها الأول المخصص للبرمجة «فلينت» (Flint)، وهو نموذج مفتوح ومجاني طُوّر في أقل من أربعة أشهر عبر فريق بشري صغير استند في كل خطوة تقريبا إلى نظام بحثي مؤتمت بالكامل أطلقت عليه الشركة اسم «محرك يوريكا» (Eureka Machine). هذا الطرح يقدم اختبارا عمليا لما تصفه الأوساط التقنية بالتحسين الذاتي التكراري، حيث تبني الخوارزميات أنظمة تفوقها قدرة، لتعود الأخيرة وتصنع ما هو أفضل منها.

يعتمد النموذج الجديد على معمارية مزيج الخبراء، إذ ينشط 2.5 مليار معامل فقط في اللحظة الواحدة من أصل 40 مليار معامل يتألف منها النظام الإجمالي. هذه البنية الخفيفة جعلت النموذج قابلا للتشغيل محليا على حاسوب شخصي عادي، ما يضعه في تباين صريح مع نماذج مفتوحة عملاقة مثل نموذج «ميوز سبارك أوبن» الذي طرحته شركة «ميتا» مؤخرا بحجم 816 مليار معامل واحتياج تشغيلي يتطلب تيرابايت كاملًا من الذاكرة. ووفق اختبارات الشركة، حقق «فلينت» سرعة توليد بلغت 131 رمزًا في الثانية على حاسوب «ماك بوك برو» مزود بشريحة «إم 4 برو»، وهو ما يقارب ضعف سرعة نماذج منافسة على الجهاز نفسه، مثل «جيما 4» من جوجل و«نيموترون 3.5 لايتنينغ» من إنفيديا، وتجاوزت سرعته 150 رمزا في الثانية على بطاقة «آر تي إكس سبارك» المكتبية.

تكمن القوة الدافعة للمشروع في قدرة الخوارزميات على هندسة أدوات برمجية أكثر كفاءة بأقل تدخل بشري. تصف «ريكيرسيف»، التي يقودها ريتشارد سوتشر كبير العلماء السابق في «سيلزفورس» والتي خرجت إلى العلن في مايو بتمويل بلغ 650 مليون دولار وتقييم ناهز 4.65 مليار دولار من مستثمرين بينهم «جي في» وإنفيديا ووحدة الاستثمار الجريء لـ«إيه إم دي»، هذا الإنجاز بأنه نتيجة مباشرة لنظامها البحثي المؤتمت. تدخل «محرك يوريكا» في كافة مراحل بناء «فلينت»، بدءا من مرحلة التدريب الأولي وصولا إلى التحسين اللاحق ومعالجة الاستدلال؛ حيث قدم المحرك تصميما أكثر تفككا للمعمارية، واعتمد تدريبا منخفض البتات قلص حجم النموذج بنسبة 71 بالمئة دون فقدان يذكر في دقة الأداء، إضافة إلى تطوير نوى برمجية مخصصة لتسريع الحسابات، ليجسد عمليا توجه الشركة التي أبرمت صفقة حوسبة سحابية بقيمة 410 ملايين دولار مع «أمازون ويب سيرفيسز» صُممت لزيادة عدد الوكلاء الأذكياء لا الكوادر البشرية.

في معايير الكفاءة، تفوق «فلينت» على مقياس «إس دبليو إي بينش فيريفيد» المخصص لاختبار قدرة النماذج على معالجة الأخطاء البرمجية الحقيقية مقارنة بالنماذج التي تقل عن 50 مليار معامل، ولم يتجاوزه في متوسط ستة اختبارات أجرتها الشركة سوى نموذج «كوين 3.8» بحجم 27 مليار معامل من «علي بابا». ورغم أن التجربة الميدانية التي وثقتها مجلة «وايرد» على حاسوب بذاكرة 48 غيغابايت أثبتت نجاحه في بناء برامج تجريبية صغيرة وسريعة دون الوقوع في أخطاء البطء المعتادة للنماذج المصغرة، إلا أن الشركة أقرت بأن النموذج يتطلب توجيها بشريا أكثر من المساعدات البرمجية السحابية المدفوعة، موصية المطورين بتجزئة المهام الكبيرة إلى خطوات برمجية أصغر لضمان دقة التنفيذ.

هذا التحول التقني يعيد ضبط حسابات البنية التحتية البرمجية لفرق التطوير في الخليج ومصر والشام. إتاحة نموذج بهذه السرعة تحت رخصة «أباتشي 2.0» الحرة وتنزيله عبر منصة «هاغينغ فيس» يحسم معضلتين طالما واجهتا الشركات الإقليمية: تكلفة الاستدلال التراكمية، ومخاطر كشف الشيفرات المصدرية الحساسة. فبدلا من إرسال بيانات البرمجة المصرفية أو الحكومية عبر واجهات سحابية أجنبية تخضع لاشتراطات أمان وتدقيق معقدة، يستطيع فريقك تشغيل المساعد البرمجي بالكامل دون اتصال بالإنترنت داخل بيئة العمل المحلية، دون أن تغادر سطر شيفرة واحدة حدود الجهاز. وعلى صعيد الميزانيات، ينقل هذا الحل مراكز التعهيد وشركات البرمجيات الناشئة من الخضوع لفواتير استهلاك الرموز المتصاعدة إلى الاعتماد على حواسيب المطورين المتاحة بالفعل، بينما يتطلب منك كمطور إعادة صياغة مهاراتك نحو التفكيك المعماري للمهام بدلا من الاعتماد على الأوامر العامة الموجهة للمساعدات السحابية المغلقة.

يمثل إطلاق «فلينت» مؤشرا ملموسا على إعادة توزيع أدوار البحث العلمي، في اتجاه ترصده أيضا كبرى المختبرات مثل «أوبن إيه آي» التي أعلنت مؤخرا أن وكلاءها يسجلون 3.1 يوم عمل بحثي مقابل كل يوم عمل لباحث بشري واحد. ومع أن الطموح للوصول إلى تحسين ذاتي تكراري كامل لا يزال يثير مخاوف فقدان السيطرة ويتطلب إشرافا بشريا صارما، فإن تقديم أداة محلية قادرة على إنجاز مهام التطوير الحقيقية يثبت أن تقليص النماذج وضبط كفاءتها عبر الذكاء الاصطناعي نفسه يشكلان مسارا عمليا لمنافسة الاحتكارات السحابية العملاقة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد