تخطَّ إلى المحتوى

«فلابينغ إيربلينز» تجمع مليار دولار: رهان وادي السيليكون على تدريب النماذج ببيانات أقل

شارك المقال
«فلابينغ إيربلينز» تجمع مليار دولار: رهان وادي السيليكون على تدريب النماذج ببيانات أقل
الصورة: Caspar Camille Rubin / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

بينما تواصل مختبرات الذكاء الاصطناعي سباقها المحموم لتغذية النماذج بمليارات النصوص الرقمية، قفزت شركة وادي السيليكون الناشئة «فلابينغ إيربلينز» إلى صدارة المشهد الاستثماري عبر أطروحة معاكسة تماما قوامها تدريب الأنظمة الذكية ببيانات أقل. فبعد عام واحد فقط من تأسيسها، أعلنت الشركة إغلاق جولة تمويلية أولى بقيمة مليار دولار، بقيادة مشتركة من شركتي «إندكس» و«لوكس»، لتقفز قيمتها السوقية التقديرية إلى ستة مليارات دولار، وهو ما يمثل أربعة أضعاف تقييمها السابق المسجل قبل تسعة أشهر فقط.

مضاعفة التقييم أربع مرات في تسعة أشهر تكشف حجم الرهان على كسر معادلة البيانات الضخمة. لم تكن هذه القفزة وليدة الصدفة، إذ انطلقت الشركة بجولة أولية بلغت 180 مليون دولار بمشاركة «جي في» و«سيكويا» و«إندكس»، مقدرة قيمتها حينها بنحو 1.5 مليار دولار. وفي الجولة الجديدة، وسع المستثمرون السابقون حصصهم بمشاركة «سيكويا» و«جي في» و«كلاينر بيركنز»، إلى جانب انضمام مستثمرين بارزين مثل «فالور» و«أتريدس» و«إيه ستار» و«إنفيديا»، مما يعكس إجماع كبار ممولي البنية التحتية على جدوى هذا التحول المعماري.

يقف خلف هذا المشروع ثلاثة مؤسسين جمعوا بين خلفيات بحثية متقدمة وتجارب ريادية مبكرة: إيدان سميث، وهو زميل سابق في برنامج ثيل وعمل أثناء دراسته الجامعية في شركة زراعة الشرائح الدماغية «نيورالينك»، والأخوان آشر وبن سبيكتور. يحمل آشر درجة الدكتوراه في الإحصاء من جامعة ستانفورد، بينما كان بن باحث دكتوراه في علوم الحاسوب بالجامعة نفسها بعدما أسس أثناء وجوده في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا مسرعة «برود»، وهي حاضنة طلابية مغلقة وصفها ديفيد كان، الشريك في «سيكويا» وأحد المستثمرين في الشركة، بأنها غدت إحدى أقوى حاضنات المواهب في وادي السيليكون، معتبرا الفريق نواة لبناء مختبر للذكاء العام الاصطناعي يقوده جيل شاب.

دمج مهام التدريب والاستدلال داخل نواة برمجية واحدة ينهي هدر دورات المعالجة في الرقائق. تصف الشركة تقنيتها بأنها الإطار الأكثر اكتمالا في العالم لما يُعرف بالنواة العملاقة، أو برنامج التشغيل الموحد على معالجات الرسوميات. وبدلا من فصل المهام الحوسبية، يتيح هذا الإطار تنفيذ عمليات تدريب كاملة، وتقديم خدمات الاستدلال، وحتى تشغيل ألعاب الفيديو في آن واحد عبر نواة مفردة. وتعتمد الآلية على تداخل عمليات الاستدلال المقيدة بانتظار نقل البيانات من الذاكرة مع عمليات التدريب الكثيفة حسابيا، بحيث تنشغل الرقاقة بإجراء المعادلات الرياضية أثناء فترات جلب البيانات، مما يقضي على فترات خمول المعالجات التي تستنزف كفاءة الخوادم التقليدية.

ينطلق مؤسسو «فلابينغ إيربلينز» من فرضية تقنية مفادها أن الصناعة لم تستغل سوى جزء يسير من قدرات معالجات الرسوميات الفعلية، وأن الوصول إلى أنظمة ذكية فائقة لا يتطلب التهام نصف بيانات الإنترنت. وقد لخص آشر سبيكتور هذه الرؤية موضحا أن النموذج الذي يحقق كفاءة أعلى بمليون مرة في استهلاك البيانات سيكون إدماجه في الدورة الاقتصادية أسهل بمليون مرة. والهدف النهائي هنا لا يتوقف عند اختصار وقت الحوسبة، بل يستهدف خفض التكاليف الرأسمالية والتشغيلية لبناء النماذج وتشغيلها بصورة جذرية.

هذا التحول في فلسفة كفاءة الرقائق يعيد تشكيل أولويات البنية التحتية التقنية للقائمين على مراكز البيانات والمؤسسات في المنطقة العربية. ففي الخليج، حيث تضخ استثمارات مليارية لبناء مراكز حوسبة فائقة واستقطاب أحدث مجمعات معالجات الرسوميات، تظل المعضلة التشغيلية الكبرى متمثلة في تكلفة استهلاك الطاقة ومعدلات خمول الشرائح أثناء تبادل البيانات؛ لذا فإن القدرة على عصر طاقة السيليكون وتزامن التدريب والاستدلال تعني تقليص الفاتورة الرأسمالية للمشاريع السيادية والمصارف الكبرى. وفي مصر وبلاد الشام، حيث تواجه الشركات الناشئة وفرق التطوير قيودا تمويلية تمنعها من استئجار عناقيد حوسبة ضخمة بالعملة الصعبة، يفتح التوجه نحو النوى البرمجية المدمجة مسارا بديلا يركز على الكفاءة الحسابية وهندسة العتاد بدلا من الرهان على تكديس الخوادم، مما يجعل التنافسية مرتبطة بمهارات التحسين المعماري المتقدمة.

تمتلك الشركة اليوم سيولة نقدية جديدة تبلغ مليار دولار لتوظيف الكفاءات وتحويل وعودها المعمارية إلى واقع إنتاجي ملموس. وسيكون الاختبار الحقيقي أمام هذا الرهان الضخم هو إثبات قدرة هذه النوى العملاقة على منافسة الأطر البرمجية الراسخة في مراكز البيانات العالمية، وتأكيد ما إذا كانت الكفاءة الحسابية الخالصة قادرة بالفعل على الاستغناء عن شهية النماذج المفتوحة لابتلاع البيانات دون توقف.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد